في منتصف عام 2000، ومن إحدى قاعات البيت الأبيض، أعلن "بيل كلينتون" وبجواره "توني بلير"، اكتمال المسودة الأولى لمشروع الجينوم البشري، وهو الإعلان الذي حمل في طياته وعوداً بثورة في عالم الطب، من خلال فحوصات وراثية جديدة وسبل علاج لم تكن متاحة من قبل. وهذه الآمال، وبعد عقد كامل من الزمان، لم ترقَ بعد إلى المستوى المأمول، بسبب استخفاف العلماء حينها بمدى تعقيد المادة الوراثية البشرية. وبشكل مبسط، يمكن تشبيه الجينوم البشري بهيئة حكومية أو شركة ضخمة، تشمل 23 إدارة مختلفة (هو عدد الكروموسومات)، وتتضمن هذه الإدارات حوالي 22 ألف قسم (هو عدد الجينات)، ويعمل في هذه الأقسام ثلاثة مليارات من الموظفين (هم عدد قواعد الحمض الأميني المكونة للجينات). وهذا التوصيف على بساطته، يظهر لنا بشكل جلي مدى تعقيد النظام الوراثي داخل الجسم البشري، وخصوصاً إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الثلاثة مليارات موظف هؤلاء، تتأثر إنتاجية، ووظيفة، ومهام كل منهم، بأداء، ونشاط، وطريقة عدد كبير من الموظفين الآخرين. ولذا، فإن ما نجح فيه، في الحقيقة، مشروع الجينوم، كان مجرد التعرف على الإدارات، والأقسام، وأسماء الموظفين فقط، دون أن يظهر لنا ما هي طبيعة عملهم أو وظيفتهم أو مهمتهم الرئيسية. وهذه الفجوة الهائلة في فهمنا لكيفية عمل المادة الوراثية يحاول العلماء سدها من خلال مشروع آخر، هو "مشروع البروتيوم البشري" (Human Proteome Project)، الذي يعتبر أكثر أهمية بكثير من مشروع الجينوم. فعلى رغم الكم الهائل من المعلومات التي يحتويها مشروع الجينوم، مثل موقع الجينات على الكروموسومات، ومكوناتها من القواعد الحمضية الأمينية، إلا أنه يفتقد المعلومات الأساسية عن وظيفة كل من هذه الجينات، وبالتحديد كيفية تأديتها لوظائفها. وهذا الفراغ الهائل يسعى مشروع "البروتيوم" لملئه، من خلال بناء قاعدة بيانات مماثلة عن البروتينات الموجودة في الجسم، التي يتم إنتاجها بناء على أوامر من الجينات. فوظيفة الجينات في الحقيقة، هي إصدار الأوامر، لإنتاج بروتينات خاصة في أوقات معينة وظروف محددة، يقوم كل منها بدور في استمرار وتوازن العمليات الحيوية الفسيولوجية داخل الجسم. وإلى أن يتم سد هذه الفجوة، وملء هذا الفراغ، ستظل الفوائد الناتجة عن اكتمال مشروع الجينوم محدودة إلى حد كبير، وهو ما اتضح خلال السنوات العشر الماضية. فمثل العديد من المجالات الطبية الأخرى، يلزم بعض الوقت حتى تتحول الاكتشافات العلمية إلى واقع عملي وممارسات يومية، يستفيد منها المرضى بشكل مباشر، وهو الوقت الذي لم ينقضِ بعد في مجال الأبحاث الوراثية. ولكن هل زيادة إدراكنا لتركيبة المادة الوراثية (الجينوم)، وطريقة عملها (البروتيوم)، هو طريق ذو اتجاه واحد؟ سنجني من خلاله فوائد ومنافع فقط، أم أنه يحمل أيضاً في طياته معضلات وأضراراً محتمله؟ إن إجابة هذا السؤال ليست بالسهلة أو المباشرة، كما يتضح من العديد من المعضلات الأخلاقية، والأضرار البيولوجية المحتملة من تغيير المادة الوراثية، أو ما يطلق عليه العلماء الهندسة الوراثية. ولنأخذ على سبيل المثال ما يعرف بالتشخيص قبل الحمل، وهو عبارة عن فحص يجرى على الأجنة قبل أن توضع في أرحام الأمهات، للكشف عن إمكانية وجود عيب جيني أو مرض وراثي فيها، ويتم هذا الفحص غالباً إذا ما كان هناك مرض وراثي في العائلة، يمكن أن ينتقل إلى الذرية. ولكن على رغم الفوائد الواضحة التي يمكن أن تجنى من استخدام هذا الأسلوب، إلا أنه يفرز أيضاً الكثير من المعضلات الطبية والدينية والأخلاقية. فبداية، هل يعتبر التخلص من الأجنة المريضة بأمراض وراثية إجهاضاً؟ وما الفرق بينها وبين إجهاض في الشهر السادس أو السابع لجنين اكتشف مرضه بمرض أو عاهة؟ وماذا عن استخدام هذا الأسلوب لاختيار جنس المولود (ذكراً كان أم أنثى)، أو لتلبية رغبات الأبوين في اختيار المواصفات الوراثية الجمالية، مثل لون الشعر والعينين وطول القامة، فيما أصبح يعرف بأطفال الكتالوجات. وهناك أيضاً قضية التمييز الجيني أو الوراثي (Genetic Discrimination). ففي هذا النوع من التمييز، تتم معاملة الشخص بطريقة مختلفة -سلبية بالطبع- سواء على صعيد فرص العمل، أو على صعيد احتمالات قبول تأمينه من قبل شركات التأمين الصحي. فمع تزايد عدد من يخضعون للفحوص الوراثية يوماً بعد يوم، تزايدت أيضاً المخاوف من أن يتم استغلال هذه المعلومات من قبل شركات التأمين في التمييز ضد من يعانون من عيوب جينية، تزيد من احتمالات إصابتهم بالأمراض في المستقبل، إما من خلال زيادة سعر وثيقة التأمين بشكل مبالغ فيه، أو رفض التأمين على مثل هؤلاء الأشخاص من الأساس. أما على صعيد جهات العمل، فيمكن أن يرفض بعضها تعيين شخص نتيجة إدراك مدى احتمالات إصابته بالسكري مثلا خلال عشر سنوات، أو أن ترفض ترقية شخص آخر بسبب عيوب وراثية تجاه مرض ما، وبغض النظر عن كفاءته وامتيازه الحالي في العمل. وهذه المعضلات، وغيرها كثير، ربما لن يضطر جيلنا الحالي لإيجاد حلول شافية لها، ولكن من الأكيد في ظل التطورات العلمية المتلاحقة في مجال التقنية الحيوية، أن الأجيال القادمة ستضطر لطرح إجابات لجميع تلك الأسئلة، وهي الإجابات التي ربما تغير مسار التاريخ البشري برمته، بما في ذلك اتجاه تطوره البيولوجي.