في إحدى المناسبات التي يظهر فيها شافيز أمام شاشة التلفزيون الرسمي في فنزويلا، وهي المناسبات التي لا تنتهي لطولها وتكرارها، تساءل الرئيس الفنزويلي لماذا لم يسجن "جوليرمو زولوجا" الذي يملك أغلبية أسهم آخر محطة تلفزيونية معارضة في البلاد، قائلا: "كيف يمكن لرجل أن يوجه لي تلك التهم ويبقى حراً طليقاً؟". والحقيقة أن الجواب بسيط: لا يوجد في تصريحات "زولوجا" ما يدعو للتجريم والمتابعة القضائية، فالرجل كان يدلي برأيه، كما أن سنوات من التحقيقات الحكومية في أنشطته وأعماله لم تفض إلى شيء، ولم يستطع المدعون العامون رفع دعاوى عليه، لكن ذلك لم يرضِ رجال شافيز ولم يشفِ لهم غليلا، حيث سعوا إلى الإيقاع به عبر شتى السبل والوسائل. وهكذا، وبعد أيام قليلة من ظهور شافيز على شاشة التلفزيون، أعاد رجاله فتح تحقيق قديم ضد "زولوجا" بعدما كان قد أُغلق لفترة طويلة، ووُجهت تهم جديدة لرجل الأعمال المعارض، فاعتقل وأودع في سجن تحت حراسة مشددة. لكن منذ ذلك الوقت وعندما بدأ الخناق يشتد على "زولوجا"، قرر مالك محطة "جلوبال فيزيون" الإخبارية، والبالغ من العمر 67 عاماً، مغادرة البلاد والاستقرار في الولايات المتحدة، لاسيما بعد انكشاف المساعي الحكومية الرامية إلى إغلاق محطته الوحيدة التي تقدم خطاباً يختلف عن الدعاية الرسمية التي تبثها القنوات التلفزيونية التابعة للحكومة. وعلى غرار رجل أعمال آخر تعرض بنكه للمصادرة الحكومية بعد ثلاثة أيام من اعتقاله، آثر "زولوجا" البحث عن ملجأ آمن، حيث حل مع ابنه الذي اعتقل هو كذلك، ضيفاً على واشنطن، وهما يفكران حالياً في التقدم بطلب للحصول على حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة. وعن هذا الموضوع يقول "زولوجا" الذي تعرض لمحنة المتابعة القضائية بدوافع سياسية، "لم يخطر لي أبداً أني سأضطر يوماً إلى العيش في مكان آخر عدا فنزويلا"، مضيفاً: "لكني لا أستطيع مساعدة أحد وأنا قابع في السجن، ومعروف لدى الجميع أن مؤسسات العدالة في فنزويلا خاضعة لسيطرة الرئيس". والحقيقة أن حالة "زولوجا" تؤكد هذه الأطروحة، لاسيما بعد إقالة القضاة الذين تجرؤوا وأصدروا أحكاماً لصالحه خلال الفترة السابقة، كما أن التهم الموجه إليه تمت فبركتها من قبل رجال شافيز حتى يرضوا رئيسهم. والأكثر من ذلك أن التهم الموجهة حالياً لرجل الأعمال الفنزويلي ليست مرتبطة مباشرة بتصريحاته المنتقدة، بل بتهمة تخزين الأموال المتأتية من نشاطه التجاري الآخر كمالك لوكالة سيارات، وهي تهمة تدعو للسخرية دفعت المدعي العام إلى إسقاطها قبل أن يعيد إحياءها من جديد بإيعاز من السلطة. ويبدو أن الهجوم الذي يشنه شافيز على الأصوات المعارضة في البلاد، وبخاصة الأصوات الإعلامية مثل محطة "جلوبال فيزويون" التي يريد إغلاقها وإخراس صوتها الحر، يعكس المعضلة التي يواجهها شافيز بعد استمرار اقتصاد بلاده في الانحدار في ظل ارتفاع معدل التضخم الذي وصل 30 في المئة، وتصاعد نسبة الجريمة. وقد ركز الصحفيون الذين يعملون مع "زولوجا" على كشف فضيحة إتلاف النظام عشرات آلاف الأطنان من الغذاء المستورد من الخارج في وقت تعرف فيه البلاد نقصاً كبيراً في المواد الأساسية. والأسوأ بالنسبة لشافيز هو قرب موعد انتخابات الجمعية الوطنية المقرر عقدها في 26 سبتمبر المقبل. فقبل خمس سنوات أدت مقاطعة المعارضة الخاطئة للانتخابات إلى سيطرة شافيز على البرلمان وتمرير قراراته دون معارضة، لكن هذه السنة وبعدما نجحت المعارضة في الاتفاق على لائحة انتخابية موحدة تخوض بها الاستحقاق القادم، يتخوف شافيز من فوز المعارضة بأغلبية الأصوات، وهو على كل حال ما تشير إليه استطلاعات الرأي ليبقى السؤال عما ستقوم به الحكومة من حيل وألاعيب أثناء العملية الانتخابية لتلافي حصول المعارضة على الأغلبية البرلمانية! ويبدو أن إخراس صوت محطة "جلوبال فيزيون" هو بداية الجواب على هذا السؤال، حيث يقول مالكها إنه لا يوجد سند قانوني لغلقها، لكنه أيضاً لا يستبعد "قراراً عشوائياً بعد المحاولات المستميتة لشافيز من أجل السيطرة على جلوبال فيزيون، فهم في النظام يريدون إخافة الناس أكثر من كسب الأصوات لأنهم استنفدوا أموالهم ولم يعد لهم ما يشترون به أصوات الناخبين". لكن إغلاق "جلوبال فيزيون" ليس بدون أخطار، فالمحطة التلفزيونية التي يشاهدها أكثر من مليوني شخص، قد يؤدي إغلاقها إلى احتجاج الناس وخروجهم إلى الشارع في مظاهرات غاضبة على غرار ما حصل في عام 2007 عندما أُغلقت محطة تلفزيونية تابعة للمعارضة، لاسيما بعد الانتقادات الدولية التي وجهت للحكومة الفنزويلية بعد اعتقال "زولوجا"، خاصة من قبل الأمم المتحدة على لسان المقرر الأممي لحرية التعبير، ووزارة الخارجية الأميركية التي وصفت الاعتقال بأنه "آخر مثال على استمرار الحكومة الفنزويلية في المساس بحرية الصحافة". وفي غضون ذلك أكد "زولوجا" أن محطته "ستواصل بثها على الهواء وكأنها ستبقى إلى الأبد"، معرباً في الوقت نفسه عن أن "الوضع في فنزويلا لم يعد قابلا للاستمرار". جاكسون ديل كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"