في مؤتمر ثقافي متخصص عقد مؤخراً بمعهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا بمدينة كامبريدج، عرض محل لبيع الآيس كريم تقديم خدمة خاصة بالمناسبة. وبعد تشاور بين المنظمين للمناسبة تقرر أن تكون نكهة الآيس كريم بالفانيلا المخلوطة بحلوى النرد، طالما أن الإنترنت بالأساس أبيض نردي اللون على حد وصف كريس كيزكشينتميهالي، مدير مركز "مركز صحافة المستقبل المدنية". وبينما لا يتعدى هذا الحديث عن نكهة الآيس الكريم الخاص بالمناسبة كونه مجرد مزحة، فإن فيها ما يثير نقاشاً جاداً عن الفجوة الرقمية الكبيرة بين مطوري ومخترعي الإنترنت، المنتمين في الغالب إلى المجتمعات البيضاء المرفهة، والمبرمجين الذكور من جهة، ومليارات المستخدمين للشبكة في مختلف أنحاء العالم، الذين لا تربطهم صلة تذكر بذلك العالم المتقدم من الجهة الأخرى. وشهد ذلك المؤتمر دفعاً من قبل المختصين بتطوير الشبكة الإلكترونية بتوفير خدمة الإنترنت لأعداد أكبر من المستخدمين حول العالم، على افتراض أن يتمتع هؤلاء المواطنون الإلكترونيون الجدد بذات الخدمات والمزايا التي يتمتع بها المواطنون القدامى الذين طال استخدامهم للشبكة الإلكترونية منذ عدة عقود. لكن ربما لا تصح هذه الفرضية على أية حال. فبينما هناك قلة لا تزال تدافع عن قيمة إتاحة الشبكة لأعداد أكبر من المستخدمين، يرى كثير من مختصي وخبراء الإنترنت أن محتوى مواد الشبكة الحالية لا علاقة له بنمط حياة الملايين من المستخدمين، والذي يختلف تمام الاختلاف عن حياة مطوري الشبكة الإلكترونية في الولايات المتحدة وأوروبا. وفيما لو أريد لغالبية المستخدمين في الدول الأخرى أن يستفيدوا من الشبكة في أمور تتجاوز حدود الاستخدامات الأساسية، فإن على المطورين التصدي لهذه الحاجة والتحدي الإلكترونيين. ذلك أن ما يخلص إليه المرء عند النظر إلى محتوى الشبكة الحالية، هو افتراض وجود نوع معين من المستخدمين، على حد قول كيزكشينتميهالي. والافتراض أن يكون هذا المستخدم أبيض اللون في الغالب، وأن يكون في العشرينيات من العمر، ومن سكان المناطق الحضرية والمدن. لكن ثبت عقم الفرضية حتى داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها. فقد أثبتت دراسة حديثة أجرتها جامعة "نورثويسترن" بمدينة إيفانستون أن المستخدمين الأميركيين المنتمين للأسر الميسورة الحال أكثر مهارة من الأسر الفقيرة والمتوسطة الدخل في استخدام الإنترنت، رغم توفر كلا المستخدمين على الشبكة نفسها. هذا ما أيده معد الدراسة الجامعية المذكورة، إيزستر هاريجاتي بقوله: إن قدرة المستخدمين على الدخول إلى الشبكة واستخدامها لا يعني بالضرورة معرفتهم الجيدة باستخدامها. وحتى إذا ما بذلت كل الجهود اللازمة لتوصيل أعداد أكبر من المستخدمين بالشبكة فسوف نظل نلاحظ اختلافات كبيرة في السلوك الإلكتروني ومهارات مستخدمي الشبكة. وربما تبدو هذه الفجوة الرقمية بين المستخدمين أكبر بكثير بين هؤلاء خارج الولايات المتحدة. فمثلا، شهدت منطقة الشرق الأوسط نمواً هائلاً في عدد مستخدمي الشبكة الإلكترونية، بما يفوق أي نمو آخر تحقق في هذا المجال في بقية أنحاء العالم منذ عام 2000. ورغم تزايد عدد المستخدمين العرب للشبكة، حيث تصنف اللغة العربية في المرتبة الخامسة دولياً للغات العالمية، يلاحظ أن المحتوى العربي المبثوث عبر الشبكة لا يزيد عن نسبة 1 في المئة فحسب. وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط يلاحظ أن الأردن هي الدولة الأكثر نشاطاً في تجسير الفجوة الرقمية، لم تتفوق عليها سوى دولة عربية واحدة هي دولة الإمارات العربية المتحدة. ورغم هذا النجاح الكبير الذي حققه الأردن، فإن عدد البيوت التي يتوفر فيها الكمبيوتر الشخصي لا تتجاوز 54 في المئة من البيوت الأردنية، بينما لا تزيد نسبة مستخدمي الشبكة الإلكترونية عن 30 في المئة. وتبلغ نسبة الذين لا يساعدهم دخلهم على اقتناء الكمبيوتر الشخصي نحو 50 في المئة من الذين لا يملكونه. وعلى حد قول ستيفن لو، أستاذ علوم الكمبيوتر بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في بسادين، فربما يتطلب الأمر عدة عقود من الزمان كي تترسخ ثورة الإنترنت، شأنها في ذلك شأن بقية الثورات التكنولوجية الأخرى. ومن رأيه أن قدرة المجتمعات المختلفة على استخدام التكنولوجيا الجديدة ربما تتطلب وقتاً طويلاً. ذلك أن تكييف هذه التكنولوجيا على نمط حياة المجتمعات المختلفة وطرق عملها بما يحقق الفائدة، يتطلبان بعض الوقت. وبالنسبة للدول النامية فقد بدأت هذه العملية منذ بضعة عقود فيما يتصل باستخدام تكنولوجيا المعلومات. بيد أن مجتمعات هذه الدول لا تزال في مرحلة بدايتها لاستخدام الشبكة. وفي الوقت نفسه أكد روبرت فيدل، رئيس منظمة "لاب توب لكل طفل"، أن أهم ما يجب القيام به توفير التكنولوجيا لعدد أكبر من المستخدمين كي يتمكنوا من تطبيقها في حياتهم اليومية. وخلال العامين المنصرمين تمكنت المنظمة من توفير 1.5 مليون جهاز كمبيوتر محمول للأطفال في 35 دولة. غير أن هذا الجهد لا يزيد عن قطرة صغيرة في محيط هائل من البشر والمستخدمين المحتملين. توم إي. بيتر كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"