نشرت مؤسسة "ساينس متريكس" مؤخراً تقريراً بعنوان "ثلاثون سنة في العلم" يهتم بدراسة العلاقة بين العوامل الجيوبولتيكية والنشاط العلمي وذلك من خلال دراسة حركة النشر خلال الثلاثين سنة الأخيرة (1980-2009). وهذه الفترة الزمنية تغطي أحداثاً سياسية كبيرة وخطيرة إقليميّاً ودوليّاً. وقد استخدمت الدراسة مخرجات إحصائية خاصة بالنشر العلمي لتلك الفترة. وفيما يلي خلاصة سريعة لبعض ما بينته هذه الدراسة: أولا: إن بعض الدول المنسلخة عن الاتحاد السوفييتي السابق عانت تراجعاً في النشر، في حين أظهرت بولندا وليتوانيا وإستونيا نموّاً واضحاً. ثانيّاً: كان النمو واضحاً في الشرق الأوسط (حوالي أربع مرات أسرع من المستوى العالمي) وسجلت إيران وتركيا بعض النقاط الإيجابية. ثالثاً: ساهمت قارة آسيا خلال الثلاثين سنة بنسبة 155 في المئة من النشاط العالمي متجاوزة أميركا الشمالية. وأظهرت الصين نمواً مذهلا حيث كان نموها أسرع بخمس مرات من النمو الأميركي. ولكنها من جهة أخرى أظهرت تباطؤاً في نمو العلوم الإنسانية والاجتماعية مقارنة مع الولايات المتحدة. ومما يلاحظ أن التقرير كان قد ركز على النشر العلمي كمقياس للتقدم العلمي، وهذا مقياس معتمد عالميّاً، إلا أن التقرير لم يُبن مستوى النشريات العلمية وأنواعها التي تم اعتمادها في إحصاء البيانات وبذلك تكون مدخلات العملية الإحصائية غير واضحة. وعلى أية حال فقد لوحظ بعد منتصف القرن الماضي نوع من الانحسار في نشاط العلوم الصرفة لصالح النشاط التكنولوجي. وهذه الظاهرة نتيجة عوامل كثيرة لا مجال لتناولها الآن. ولاشك أن التقدم العلمي الهائل في الصين الذي حدث بعد التخلص من الثورة الثقافية المؤدلجة لم يبنه التطبيل والدعاية الجوفاء لتاريخها المجيد، بل إن الذي بناه هو التخلص من الأدلجة المتزمتة والانفتاح على العالم والسوق الحرة. فالباحث الصيني الآن لديه مختبرات وكتب ومؤسسات نشر صينية، ومؤسساته العلمية على صلة مستمرة بأشهر مؤسسات العلوم والتكنولوجيا في العالم، وهناك علاقة بين ما تنتجه البحوث وما تتبناه التكنولوجيا.وهناك أربعة عناصر مترابطة في النمو الصيني هي النمو الصناعي، والنمو العلمي، والنمو الاقتصادي، إضافة إلى عامل مهم هو القدرة البشرية الهائلة وقابلية الفرد لتقبل الأفكار الحديثة، حيث لا يوجد تعارض ما بين الموروث التقليدي والحداثة. وهذه العناصر تبين أن النمو الذي حققته الصين نمو حقيقي مترابط العناصر وليس نمواً مؤدلجاً أو بهدف ادعاء التحضر والمعاصرة. وفي الجانب المقابل نجد أن الكثير من المجتمعات العربية تعتبر من أغنى المجتمعات ذات الثروة الطبيعية، وعلى رغم أن الجانب الاقتصادي واحد من عناصر النمو العلمي إلا أنه ليس كافيّاً وحده لخلق بيئة علمية منتجة، أو ردم الفجوة العلمية العربية. وقد يتمكن العرب من استجلاب المختبرات والأساتذة الأجانب وإنشاء مراكز البحوث، ولكنهم لن يتمكنوا من خلق بيئة علمية منتجة بدون حرية فكرية ومناهج مدرسية تربي روح الإبداع وتخلق مجتمعاً منفتحاً. إن طبيعة الموروث التقليدي للفرد ما تزال مناهضة للتحديث حتى لدى الكثير من العلميين. ومثل هذه الظاهرة المحبطة غير موجودة في المجتمعات الشرقية الأخرى الصينية واليابانية. إن معظم الناتج البحثي العربي عبارة عن أعمال أكاديمية يجريها طلبة البحوث لكون مؤسسات البحوث العربية حديثة التجربة في معظم الدول. ومع زيادة الأكاديميات العربية ستزداد البحوث. ولكن مثل هذا النمو البحثي والنمو في النشر العلمي لم ينتج نمواً مماثلا في الإنتاج الصناعي والتطبيقات لهذه البحوث. كما لم يصاحبه نمو اقتصادي ملازم للتطبيقات. إن هذا النمو لا يعدو كونه نمواً منفصلا لا تأثير اجتماعيّاً له. والدول العربية عموماً تعاني من انفصال كبير ما بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية، وبينها وبين الصناعة، لكون الصناعة مستوردة أساساً وليست ناتجاً محليّاً. ولذلك يبقى الإنجاز البحثي دائماً معزولا وأكاديميّاً فقط، ومن ثم فلا قيمة محلية له. ------ محمد عزالدين الصندوق كاتب مهتم بالبحث العلمي ------ ينشر بترتيب مع خدمة "منبر الحرية"