هناك تطوران حديثان مدهشان، أبرزا بجلاء كيف أن "الإصلاحات" الخاصة بتمويل الحملات الانتخابية في أميركا، قد تحولت هي ذاتها إلى شيء يشبه بيت الداء، الذي كان يفترض أصلا أنها تسعى إلى علاجه. ففي ولاية "أريزونا" والكونجرس، على حد سواء، نجد أن الإجراءات، التي تهدف -كما يقال- إلى القضاء على الفساد، أو حتى على "شبهة الفساد"، تكشف هي ذاتها عن مدى الفساد الكامن في ممارسات بعض المسؤولين الحكوميين الذين يستغلون وجودهم في المنصب، لصياغة قوانين لتنظيم المنافسة في انتخابات سيشاركون فيها من أجل تجديد مدتهم في المنصب، وهي قوانين تهدف لـ"تقنين" -أو في الحقيقة الحد من- حرية التعبير والاختيار السياسي في الانتخابات. وفيما يتعلق بولاية أريزونا، عطلت المحكمة العليا فيها تنفيذ القانون المعروف باسم "قانون الانتخابات النظيفة لولاية أريزونا"، الذي تنص بنوده على أن المرشح الذي يقبل تمويلا لحملته الانتخابية من أموال دافعي الضرائب، يتلقى إلى جانب ذلك دفعات إضافية من تلك الأموال الضريبية من أجل معادلة الأرصدة المالية التي يتمكن المرشحون الآخرون، الذين يفضلون الاعتماد على التبرعات الاختيارية من جمعها. بمعنى أن هذا القانون كان يعاقب المرشحين الذين لا يقبلون تمويلاً من أموال دافعي الضرائب، وكان الغرض منه، الذي وصفته المحكمة بأنه غير دستوري، هو الحد من الإنفاق الانتخابي - والحد بالتالي من كم الخطب والأحاديث والكلمات التي سيدلي بها المرشح متشجعاً بما حصل عليه من أموال- بحجة تحقيق العدالة في الإمكانيات المالية بين المرشحين! وفي الحقيقة أن الغرض المتوخى من هذا القانون ينحاز عمليّاً للمسؤولين من شاغلي المنصب الحكومي بالفعل، قبل بدء الحملات الانتخابية التي يسعون من خلالها إلى إعادة انتخابهم أو التجديد لهم في مناصبهم، لأن مثل هؤلاء المسؤولين يحظون، بحكم المنصب، بعدد كبير من المنافع والامتيازات غير المتاحة للمرشحين الطامحين لشغل المناصب للمرة الأولى.. كما يهدف في ذات الوقت إلى إعاقة وشل المرشحين الذين يفضلون التمويل عن طريق التبرعات الاختيارية من قبل الناخبين. فمن من هؤلاء الناخبين سيفكر في دفع دولار للمرشح الذي يؤيده، طالما أنه يعرف جيداً أن المرشح الآخر، الذي يعتمد على أموال دافعي الضرائب سينال دولاراً كتعويض مقابل ذلك. وتماماً مثلما أن قانون الرعاية الصحية الجديد هو خطوة نحو التخلص -بأسلوب الخنق البطيء- من نظام التأمين الصحي الخاص، وترسيخ دور الحكومة باعتبارها "الممول الوحيد" فإن قانوناً مثل قانون أريزونا هو أيضاً في جوهره خطوة -بل خطوات- إضافية نحو التمويل الحكومي بالكامل للحملات الانتخابية للوظائف العامة التي يتم شغلها عن طريق الانتخاب، وهو ما يعني تحكم الحكومة التام نتيجة لذلك فيما يقوله المرشحون أثناء الحملات، أو حتى بعد نجاحهم فيها وتوليهم لمهام مناصبهم. هذا ما يتعلق بولاية أريزونا. أما في الكونجرس، فنجد ان "الديمقراطيين" لم يضعوا بعد اللمسات النهائية على مقترحهم الخاص بالحد من نشاط منظمات الدفاع عن الحقوق السياسية، أوما يطلق عليه اسم "قانون الكشف" Disclose Act (وهي تسمية رديئة في نظري لقانون يقصد به تعزيز الديمقراطية عن طريق تسليط الضوء على عملية الإنفاق التي تتم في الانتخابات). وهذا القانون سيئ للغاية بسبب مواده ذات الصبغة الحزبية المكشوفة والفجة، والتي لم يبذل من صاغوها أي جهد من أجل إخفاء أو حتى التخفيف من حزبيتها، وأيضاً بسبب تلك العملية القذرة الهادفة بكافة السبل لفرض هذا القانون فرضاً من خلال الضغط الشديد والمستمر، وهو ما يكشف كله عن فساد، لابد أن يؤثر في النهاية على ما يفترض أن يكون حملة من أجل تنقية الحياة السياسية. إن العار الذي ألحقه القائمون على "إصلاح" الحملات الانتخابية، لا يتمثل فحسب في الاستمرار في التعامل مع "التعديل الأول" للدستور الأميركي على أنه "ديك رومي" سمين يحتاج إلى التقطيع إلى أجزاء، وإنما يمتد أيضاً إلى فرض نوع من التعتيم من خلال حظر أنواع معينة من النشاط الحقوقي السياسي. إن ذلك النظام الذي يزداد غموضاً، وافتقاراً للشفافية، والخاص بلوائح وقوانين الخطاب السياسي الذي يحبذه "الديمقراطيون"، بدأ يتحول إلى ما يشبه الأحجية أو اللغز، من فرط غموضه. والتناقض القائم بين التعقيد الصياغي لهذه القوانين وقانون "التعديل الأول" كان من المفترض أن يجعل وجوه من يطلقون على أنفسهم "المصلحين" تحمر خجلا -هذا إذا كانت قد بقيت لديهم أساساً ذرة من الخجل. وفي هذا السياق، ينبغي التنوية إلى أن تشريع "ماكين- فنجولد" الخاص بتمويل الحملات الانتخابية كان على الأقل قانوناً محايداً وغير متحيز: فهو وإن كان قد راعى شاغلي المناصب الحكومية، إلا أنه لم يتضمن من المواد والبنود ما يسعى بصورة فجة ومكشوفة إلى تأمين المزايا الحزبية البحتة. وفي الوقت الراهن، يبذل "الديمقراطيون" قصارى جهدهم لتفعيل "قانون الكشف" من أجل التحكم في انتخابات نوفمبر المقبل مع العمل في الوقت نفسه بكافة الطرق على إثبات صفة الدستورية "المشكوك فيها" أمام المحكمة العليا. وهم واثقون أنه لن يكون لدى "الجمهوريين" من الوقت ما يسمح لهم باتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة للطعن في القانون ونقضه. إن "قانون الكشف" هو في تقديري عبارة عن علاج مزعوم لأمراض افتراضية. وهي تلك الأمراض التي يؤكد "الديمقراطيون" -دون أن يمتلكوا على ذلك دليلا - أنها ستنتج عن حكم المحكمة العليا القاضي بأن الاتحادات والنقابات بما في ذلك الاتحادات الحقوقية غير الربحية، لديها الحق بموجب "التعديل الأول" للدستور الأميركي في ممارسة الدفاع عن الحقوق السياسية بشكل مستقل (أي ليس من خلال التنسيق مع حملات المرشحين). إن "قانون الكشف" هو عبارة عن خلاصة موجزة لحزمة من اللوائح المعقدة، وتفويض، يراد منه إلى حد كبير، إلغاء حكم المحكمة بخصوص الاتحادات والنقابات، من أجل ترك تلك الاتحادات حرة كي تنفق ما تشاء بالنيابة عن "الديمقراطيين". ويجب أن نكون على حذر عندما تتشدق الطبقة السياسية الحاكمة حول حماية الأمة من "أصحاب المصالح الخاصة". فعندما تفعل الطبقات السياسية الحاكمة ذلك فإنها تسعى في حقيقة الأمر إلى أن تكون هي أقوى أصحاب المصالح بصرف النظر عن دستورية ذلك أو عدم دستوريته. ورجل مثل "برادلي سميت" الرئيس السابق للمفوضية الفيدرالية للانتخابات يقول إن "قانون الكشف"، يتيح الفرصة للمرشحين "الديمقراطيين" من المسؤولين الحكوميين الشاغلين للوظيفة لاحتواء الخسائر التي يحتمل أن يتعرضوا لها من خلال منع، أو على الأقل التضييق إلى أقصى حد على حرية التعبير والخطابة في الانتخابات. وهذا سبب يدعو في نظري الناخبين لأن يبذلوا قصارى جهدهم من أجل مضاعفة تلك الخسائر التي قد تلحق بـ"الديمقراطيين". جورج ويل كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"