اتسمت نهائيات كأس العالم، التي اختتمت أمس في جنوب أفريقيا، بالكثير من التشويق والإثارة، خاصة خلال مباريات الدورين الأول والثاني بسبب الخروج الدراماتيكي المؤثر لمنتخبات دول كبرى ذات ماض عريق وتاريخ حافل بالإنجازات في عالم كرة القدم.. مثل البرازيل والأرجنتين وفرنسا وإيطاليا وإنجلترا.. وصعود نجم فرق جديدة من قارات لم يكن يحسب لها أي حساب في عالم كرة القدم كالفريق الغاني الذي نال إعجاب الجمهور الرياضي والنقاد والمراقبين. وقد ظهر جليّاً المدى الذي بلغه تأثير كرة القدم على حياة البشر جميعاً، ومدى انشداد الناس واهتمامهم في كل أنحاء العالم إلى هذه اللعبة العجيبة التي استطاعت أن تجعل الأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع البشري -على اختلاف وتنوع مشاربهم وانتماءاتهم ومستوياتهم ومذاهبهم وألوانهم- يتسمَّرون أمام شاشات التلفزيون لمشاهدة المباريات وسط أجواء من التنافس الحضاري السلمي المشوق، أو حتى يسافرون إلى جنوب أفريقيا لتشجيع فرقهم المتأهلة للنهائيات. ولذا فنحن بالفعل أمام حالة أشبه ما تكون بالوحدة الإنسانية، حيث استطاعت هذه الكرة أن تفعل ما عجزت عنه السياسة والاقتصاد، حيث نجحت في توحيد الجنس البشري، وتركيز انتباه الناس كافة إلى كرة صغيرة يتنافس اللاعبون لإدخالها في المرمى على مدى 90 دقيقة بهدف تحقيق فوز قد يسمح، في النهاية، لفريق من الفرق بنيل هذا اللقب العالمي الذي تتمنى كل دولة أن تحظى بشرف نيله. وكأس العالم أو "المونديال" ليس فقط حالة تنافس كروي شريف بين مجموعة فرق تمثل بلداناً من مختلف القارات سينال منها فريق واحد كأس العالم، ويتوج بطلاً لمدة أربع سنوات، وإنما هو أيضاً مجال سياحي وثقافي وحضاري واسع للدولة المضيفة في أن تستثمر كل ما تمتلكه من إمكانات وطاقات ومؤهلات في تلك المجالات السياحية وغير السياحية لزيادة دخلها الوطني، واستغلال وجود ملايين السياح القادمين مع منتخباتهم للتمتع بقضاء إجازاتهم السنوية في ربوع الدولة المضيفة. ومن الواضح أن قطاع الرياضة أضحى اليوم حقلاً واسعاً وقطاعاً مزدهراً، بما جعله من أهم قطاعات الحياة البشرية المتحركة والمنتجة والفاعلة في كثير من البلدان، بما يشتمل عليه من صناعات وأدوات ورموز وثروات ونجوم. وهذا الحقل الاقتصادي أصبحت له طريق صلبة يسير عليها، وهو يساهم من خلال أدواته في صناعة العالم الراهن، لا بل إنه أضحى ينافس ويتفوق على قطاع الثقافة والكتاب والمفكرين، بجاذبيته وفاعليته وحضوره الآسر الممتع، وبات عالم كرة القدم أكثر قبولاً من أي حقل أو قطاع حياتي آخر، وربما أصبح ملاذاً آمناً وأكثر مؤانسةً وراحة للناس من معارك الثقافة والسياسة، ومجتمع المثقفين والساسة التي تقوم عندنا -في عالمنا العربي والإسلامي- على قاعدة الغلبة والاستئصال، وتسود فيها قيم الاستبعاد والإلغاء والحصرية بأعلى صورها وعناوينها وتعابيرها خاصةً في ظل المناخ الثقافي والسياسي المهيمن، الذي تعبر عنه بعض العقول المغلقة والأيديولوجيات والعقائد الاصطفائية والشمولية ونزعات التعصب الدينية وغير الدينية التي تزعم وتدعي القبض على ناصية الحقيقة المقدسة، بينما تسود في عالم كرة القدم قيم التبادلية وعقلية المشاركة وروح الفريق والتنافس الحر السلمي الديمقراطي، وإدارة الشؤون بطريقة حضارية تشاركية مفتوحة متنوعة ومتعددة، بعيداً عن هيمنة منطق القسر والقهر والإلغاء.. وحيث أيضاً المران والتعب والجهد والمثابرة والخبرة والمهارة. نبيل علي صالح كاتب سوري ينشر بترتيب مع خدمة "منبر الحرية"