تحدثت في الأسبوع الماضي عن نموذج جديد من المفكرين العرب ظهر في العقدين الأخيرين، تميز بتناول الإشكالية التراثية محوراً لمشروع إصلاحي وتحديثي للمجتمع العربي. وكان في الذهن المفكر المصري "نصر حامد أبوزيد" الذي توفي الأسبوع الماضي منفياً في هولندا، بعد أن غادر بلاده مكرهاً، إثر حادثة قضائية أكاديمية معروفة. لم يكن ثمة ما يهيئ هذا الرجل ذي الملامح الريفية، والذي بدأ حياته الأكاديمية بكتب علمية عادية حول تفسير القرآن الكريم عند المعتزلة وابن عربي، لهذه الشهرة المأساوية، والتي حولته إلى أحد أكثر أعلام الفكر العربي المعروفين دولياً. بل إن الرجل نفسه، الشديد الخجل، كان يضيق ذرعاً بشهرته، ويغضب من محاولات توظيفه في الصراعات العقدية والإيديولوجية. لم يفتأ "أبو زيد" يكرر لمن يهمه الأمر أنه رجل مسلم محافظ على دينه وغيور على عقيدته وثقافته، وأنه لم يزد في كل كتبه على القول إن الخطاب الديني نص تاريخي وليس مرادفاً للمصدر الإلهي المقدس، بل هو حصيلة أفهام المسلمين بحسب ظرفياتهم الاجتماعية ومناهجهم التأويلية. تشبه محنة أبو زيد عام 1995 (تكفيره من بعض أعضاء لجنة الترقية الجامعية وتفريق المحكمة بينه وزوجه) ما حدث لمفكرين مصريين ثلاثة سبقوه، هم "طه حسين"، و"خالد محمد خالد"، و"محمد أحمد خلف الله". انطلقت المعركة التي فجرها كتاب طه حسين حول "الشعر الجاهلي" عام 1926. وفي ما وراء الإشكالات النقدية ذات الصلة بمصادر الشعر الجاهلي ومظاهر الانتحال فيه، فإن عمق المعركة تعلق بأمرين أساسيين هما: طبيعة المنهج البحثي الذي يتعين تطبيقه على النصوص المرجعية في الثقافة العربية الإسلامية، والعلاقة التي يتوجب بناؤها بالأفق التراثي الذي يشكل هوية الأمة ورصيدها العقدي والديني. استند طه حسين لمناهج الاستشراق الجديدة القائمة على المسلك التاريخاني الفيللوجي (أي فقه اللغة) في النظر للتراث، وطبق أدوات النقد الديني التي ظهرت في السياق المسيحي على النص الإسلامي، وانتهى إلى مقاربة علمانية ليبرالية مستنسخة من التجربة الغربية الحديثة. أخفق مشروع "طه حسين" في بعديه المنهجي والإيديولوجي، لأسباب ليس هنا مجال التعرض لها، وبقيت آثار المعركة إلى اليوم (أعاد الكاتب الإسلامي أنور الجندي تفجيرها في السبعينيات). أما الفقيه الأزهري "خالد محمد خالد" فقد أصدر في عام 1950 كتابه "من هنا نبدأ" الذي تعرض لمحاكمة قاسية أفضت إلى اتهامه بالخروج عن الدين وإفساد المجتمع. والواقع أن مشروع "خالد" لم يكن أكثر من استعادة أطروحة فقيه أزهري آخر هو "علي عبدالرازق" حول مدنية الدولة الإسلامية ورفض مفهوم الدولة الدينية وتعويضها بالكيان القومي الحافظ للتنوع العقدي والحريات العمومية. تميزت مقاربة خالد بنفحة يسارية متأثرة بالمناخ الإيديولوجي للمرحلة، حافظ عليها إلى آخر أيامه وإن كان أضفى عليها صبغة إسلامية محببة، في الوقت الذي تخلى عن التصور العلماني للدولة ودافع في كتابه "الدولة في الإسلام" الصادر عام 1981 عن مشروع "الدولة الإسلامية" المألوف في خطاب مدرسة الإسلام السياسي. أما "خلف الله" فقد أثارت أطروحته حول "الفن القصصي في القرآن الكريم" التي قدمها للمناقشة عام 1947 ضجة مماثلة. اعتبر "خلف الله" أن القصص القرآني ليس أحداثاً تاريخية، وإنما هو أمثال للاعتبار والتوجيه. ومع أن خلف الله لم يكن على اطلاع دقيق بمناهج نقد النص التوراتي التي كرست مفهوم "الأسطورة" كآلية خطابية في بنية النص الديني، إلا أنه أراد (بإشراف أستاذه أمين الخولي) تطبيق هذه المقاربة مع بعض الاحتياطات التي لم تشفع له في تمرير أطروحته التي رفضت من الحقل الأكاديمي. وكما هو شأن "خلف الله"، أراد أبو زيد تطبيق المناهج اللسانية والتأويلية الراهنة في قراءة النص الديني، إلا أنه في الواقع كان محدود الاطلاع على هذه المناهج، بحكم تكوينه الأدبي وافتقاره إلى أدوات الفلسفة والعلوم الإنسانية المعاصرة. ولذا لم تخرج أطروحاته في مجملها عن العدة التأويلية التي بلورها "حسن حنفي" في كتابه "التراث والتجديد"، مع فارق أساسي هو اعتماد حنفي تأويلية الوصل (أي استيعاب مشاريع النهوض الإسلامي بما فيها أكثرها انغلاقاً وجموداً) واعتماد أبو زيد تأويلية الفصل والقطيعة على غرار الحالة الأركونية. يمثل أبو زيد الجيل الثاني من أصحاب المشاريع التراثية. ويتعلق الأمر بنمط من المفكرين أرادوا خوض معارك التحديث والتنوير من البوابة التراثية، فنقلوا صراعات الحاضر ورهاناته إلى الماضي البعيد. اعتبر أبو زيد الأشعري والشافعي مسؤولين عن جمود الثقافة الإسلامية الحالية، واعتبر ابن تيمية سلفاً لسيد قطب، والماوردي سلفاً لمدرسة الاستبداد المعاصرة. والواقع أن هذا الجيل من المفكرين لم يستطع حسم الخيار بين النزوع إلى استبدال الكتابة الإيديولوجية العقيمة بالفلسفات التفكيكية وأدوات العلوم الإنسانية المعاصرة، مع ما يعنيه هذا الخيار من قطيعة مع المقاربة الدعوية الرسالية للمثقف العضوي، والميل إلى الانخراط الواعي في معارك الساحة العربية دفاعاً عن قيم التنوير والعقلنة التي تقتضي التضحية أحياناً بحماسة الداعية والتزام المناضل. يطرح الإشكال نفسه (بخلفيات مغايرة) في الساحة الغربية التي انتكس فيها نموذج المثقف العضوي، وأصبح من الملح التساؤل حول المرجعية المعيارية للفعل الملتزم والنشاط الاحتجاجي ضد الاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان. وفي حين طالب "هابرماس" بالحفاظ على التصور الكانطي للمفكر في حدود استخدامه العمومي للعقل، اعتبر "ميشل فوكو" أن المثقف الخصوصي اليوم هو مجرد "محارب" تكفيه معرفة خصومه وتحديد ساحة معركته واختيار هدفه، دون موجهات مسبقة أو سقف إيديولوجي مقيد. والفرق الكبير بين الحالتين، العربية والغربية، هو افتقار مجتمعاتنا لمؤسسات اجتماعية ودستورية مكينة تضمن الحريات الفردية والعمومية وتحمي قيم الإبداع، ولذا كان لابد أن يتضخم دور المثقف ويتضخم طموحه لأداء الوظيفتين التنويرية والتفكيكية معاً، على تعارضهما في الخلفية والمنطق.