الرأي شيء والرأي الشخصي شيء آخر، لا حرمة له ولا حصانة ولا اعتبار، سواء في قيم الغرب المعروف بـ "العالم الحر" أو في قيم الشرق العالمثالثي. الأول يتفاخر باحترام الحرية إلى حد تقديسها، أما الثاني فلا يدّعي ذلك حتى أنه يبحث في ثنايا النصوص الدينية عما يبرر تقنين الحرية. والأول يبدو منتشيّاً بـ"الانفلاش" التكنولوجي الذي ضاعف فرص التعبير عن الرأي والتفاعل مع الأحداث، لكنه ينكر علم الثاني إمكان استخدام تلك الفرص طالما أنها متاحة لأن آراءه غير مرحب بها. ولو كان العالم واحداً لما استشكل الأمر، لكنه عالمان في عوالم متعددة باتت في العقدين الأخيرين أكثر تناقضاً، ولذا صار احتكار الرأي مستفزاً وأقرب إلى الفضائح المستبشعة. حروب تسعينيات القرن الماضي عولمت الإعلام والسياسات فأخرجتهما من كواليس الانحيازات المغلقة. بقيت الانحيازات ذاتها، لكنها اضطرت إلى انفتاحات ونوافذ شرط أن تبقى تحت السيطرة، وبذهنية الاحتكار نفسها. في الإعلام تقبّل الغرب المتفوق بصعوبة منافسة الشرق، ليس في الرأي فحسب وإنما في الخبر أيضاً. أما في السياسة فلا تزال المنافسة مرفوضة، لكن السياسات السائدة واجهت وتواجه افتضاح مرتكزاتها أمام زحف القيم المجتمع-مدنية، بالأحرى الإنسانية، كما في المؤتمرات الموازية والاحتجاجات المرافقة للقاءات السياسة السائدة في الاقتصاد والمناخ والنزاعات كافة، وكما في مبادرات كالتي مثلها "أسطول الحرية" لكسر الحصار المفروض على غزة. تجربة الصحافيتين هيلين توماس وأوكتافيا نصر، والسفيرة فرانسيس غاي، مع الرأي الشخصي، كانت بالغة الدلالة إلى رسوخ التعصبات والتطرفات واستدراجها ردود فعل في الغرب لا تختلف بمؤداها عن ردود الفعل في الشرق. فالصراع بين العالَمين بلغ نقطة عدم السماح ولو بكلمة واحدة خارج سياق المفاهيم المهيمنة. أصبح العالمان متساويين في تدافعهما لإثبات أن الحقيقة هي ما يدّعيانه فقط، لا ما يتجاهلانه أيضاً. السفيرة لم تفقد عملها، لكنها عرفت ماذا تعني مطاردة المدونين في هذه الأيام، ووظيفتها لا تتيح أن يكون لها رأي شخصي سواء كان محقاً أم لا، لأنه قد يُلزم دولتها. وسفراء الدول الغربية لديهم عقدة اسمها إسرائيل، إذ تنبههم تعليمات حكوماتهم إلى ضرورة مراعاتها، بالأخص إذا كانوا في عواصم عربية. وعلى رغم أن فرانسيس غاي لم تقل أكثر من أن السيد محمد حسين فضل الله رجل محترم، وأنه حاز على إعجابها، وهي كتبت رأيها في مدونتها وبمناسبة وفاته، إلا أن ناطقاً إسرائيليّاً اعتبر أن الرجل لا يستحق الثناء، ووافقت الخارجية البريطانية على رأيه فقمعت سفيرتها. أما الصحافيتان فتعرضتا لضرر مهني فادح من جراء معاقبتهما على آراء شخصية. أوكتافياً بسبب المرجع الشيعي اللبناني نفسه، فمؤسستها الكبيرة "سي. إن. إن" رائدة الإعلام المعولم، استثيرت بالتقييم الإيجابي الذي دونته الصحافية معتقدة أنها تعمل في مكان يتميز برحابة صدر فأخطأت التقدير، وغاب عن بالها أن فضائيتها المنتشرة عالميّاً تعطي دروساً في المهنية لكنها تعيش تحت أفق ضيق ولا تخلو من غرائزية الأحكام السياسية غير المهنية. لاشك أن الخذلان الأرعن الذي واجهته هيلين توماس كان الأكثر خزياً، لأن معاقبتها كانت مزدوجة، خاصة وحكومية، من دون فوارق تذكر بين الطرفين. لم يكن رأي هيلين ليغيّر شيئاً بالنسبة إلى نفوذ اليهود في أميركا، أو إلى وضعهم في إسرائيل ذاتها، لأن ما أبدته هو مجرد رأي يحتمل الخطأ والصواب. لكن العصابات التي تسيطر على الرأي في الدولة العظمى رأت أن هيلين مست جانباً من الحقيقة كان يجب أن يبقى مجهَّلاً ومغيباً. عوملت الصحافيتان كما لو أنهما تعملان في أحد مكاتب "الحزب الواحد"، وعوقبتا بنزق أيديولوجي لا ينتمي إلى أخلاقيات الإعلام وإنما إلى قواعد عمل شبه سوفييتية. لم يعد الإعلام الحر في "العالم الحر" ليهتم بالإيحاء بأن السيطرة اليهودية عليه مجرد خرافة عربية، بل لعله أصبح حريصاً على تأكيد تلك السيطرة، لئلا يحاول أحد ولو مجرد التفكير في اختراقها أو الاعتماد على أريحيتها واحترامها للتعددية.