مرة أخرى ينتشر في الجسد العربي الواهن شعور مؤلم بالإحباط والاستنزاف ونحن نرى إدارة أميركية أخرى تترنح أمام المد والصلف الإسرائيليين، وتتراجع تكتيكيّاً أمام التجاوزات والخروقات الإسرائيلية. ومن المؤسف أن التحدي الأوباومي لإسرائيل لم يعمر سوى أشهر معدودات، وهكذا عاد بسرعة الوئام والوفاق المعهود! ولم تكن عنتريات أوباما، في نظر البعض، سوى سحابة صيف وانقشعت ومعها تبخر رهان العرب على أن أوباما سيكون "غير"، بمعنى أنه سيكون مختلفاً بشكل جذري. ولكن نسي هؤلاء حقيقة أن الثوابت السياسية الأميركية أقوى من أوباما. منذ مارس الماضي سطرت في هذه المساحة عدة مقالات حملت عناوين من قبيل "إسرائيل المارقة" و"صفعة لأميركا وإهانة للعرب" و"العرب وأوباما حالة إحباط"، ويبدو أن مسلسل التنازلات الأميركية أمام إسرائيل وصل إلى مستويات لم يعد معها أي موقف أو تراجع يفاجئ أحداً، على رغم مساعي أوباما ومحاولاته اليائسة لتحقيق الاختراق برؤيته الواثقة من إمكانية اجتراح حل الدولتين. والجديد في مظاهر التراجع الأميركي، كما يعلم الجميع، هو الأجواء العامة التي أحاطت بزيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض الأسبوع الماضي، والحفاوة التي استقبله بها أوباما، للاعتذار عن الإهانة التي وجهها له سيد البيت الأبيض في مارس الماضي، وربما أيضاً ليكفر عن "ذنبه"، فكانت الكاميرات التي اصطفت في استقبال نتنياهو أكثر من كاميرات حفل الأوسكار كما قال السفير الإسرائيلي في واشنطن، وهو ذاته الذي كان وصف العلاقات بين البلدين بأنها تمر في اللحظة الأسوأ منذ أربعة عقود، وبأنها باتت أشبه بحركة انزياح القارات في البعد والجفوة. فما الذي حدث، يا ترى، بين الاستقبال المهين لنتنياهو في مارس الماضي والاستقبال الحافل الأخير، وخاصة بعد تعنيف نائب الرئيس بايدن لنتنياهو، وكذلك الهجوم على سياسات إسرائيل من قبل المؤسسة العسكرية ومراكز الدراسات الاستراتيجية الأميركية، التي تحدثت عن تحول إسرائيل من حالة كونها رصيداً استراتيجيّاً لأميركا إلى عبء استراتيجي يهدد مصالح واشنطن، ويعرض حياة الجنود الأميركيين في المنطقة للخطر؟! ولماذا لم يمنع سجل إسرائيل الحافل بالتجاوزات وخرق القانون الدولي الإدارات الأميركية المتعاقبة، وإدارة أوباما بالتحديد التي عول عليها العرب للتغيير والتصالح بانتهاج الحيادية والواقعية، على الانتفاض على حكومة "الليكود" المتطرفة الحالية؟ وما الجديد في سياسات تل أبيب؟ لقد استمر التخبط والتهور الإسرائيلي وزادت وتيرة الاستيطان واحتل المستوطنون أكثر من 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية، وبقي الحصار على غزة واستمر التهويد والجدار واقترفت جرائم كاغتيال المبحوح وتزوير جوازات سفر حلفاء إسرائيل، وتوجت تل أبيب خروقاتها تلك بالاعتداء على سفن "أسطول الحرية" وأساءت لتركيا الدولة المسلمة، والحليف الوحيد لها في المنطقة، واليوم تسعى لطرد النواب المقدسيين من القدس! ومع ذلك يشيد أوباما بجرأة نتنياهو و"مجازفته نحو السلام"! ناسفاً هو نفسه، من حيث أراد أو لم يرد، مبدأه وحلمه بجعل العالم خاليّاً من السلاح النووي، وكذلك الدعم المعلن لعقد مؤتمر دولي في الشرق الأوسط عام 2012 كخطوة لجعل المنطقة خالية من السلاح النووي. فكأن أوباما باحتضانه لإسرائيل، على مروقها وتغولها، ينسف ويهزم أسس مشروعه. لأن هذا هو مؤدى الالتزام بالنووي الإسرائيلي الذي لا يحق لأحد مناقشته، والتزام واشنطن ببيع تل أبيب مواد نووية وتقديم مساعدات تقنية لها، وتفهم أوباما لمتطلباتها الأمنية الفريدة بسبب التهديدات التي يقال إنها تواجهها، وحاجتها لمواجهة التهديدات! ولذلك كان الالتزام واضحاً، وغير مشروط: "لن تطالب الولايات المتحدة الأميركية إسرائيل باتخاذ أية خطوات تزعزع مصالح إسرائيل الأمنية"! حسناً، وماذا عن حلم جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي؟! هل يتم ذلك مثلاً بإبقاء إسرائيل نووية، والتشدد مع إيران بعقوبات قد تدفعها لتوظيف أوراق الرد، ومنع الأردن من تخصيب اليورانيوم الذي يملكه لبرنامج طاقة نووية سلمية؟! لاشك أن مقاربة كهذه لا تؤسس للأمن والاستقرار. ناهيك عن احتمال أن تدفع المنطقة نحو حافة الهاوية، بسيناريوهات حرب إسرائيلية لضرب إيران و"حزب الله". إن السر في التغيير والتراجع الأميركي والسكوت عن إسرائيل وتجاوزاتها ووقف الكلام عن المستوطنات وتوسعها السرطاني هو انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر القادم، وتعثر "الديمقراطيين"، والمخاوف من خسارة أحد مجلسي الكونغرس. ويبدو أن الضغوط على أوباما من قيادات حزبه "الديمقراطي" بلغت حدّاً أجبره على التراجع عن مواقفه، ولذا انخرط في حملة علاقات عامة من الطراز الأول لنيل رضا القيادات "الديمقراطية" واللوبي الإسرائيلي. ولذلك كان التغيير الواضح الفاضح! وهناك الآن انتقادات واسعة لأوباما على هذه الخلفية، أقلها اتهامه بالضعف والتردد. كما اتهمه، بصفة خاصة، مستشار الأمن الوطني الأميركي الأسبق بريجنسكي برفع الراية البيضاء في البيت الأبيض أمام نتنياهو، وأن اللقاء والتنازلات التي قدمها أوباما فيه وكيله المديح والثناء على نتنياهو ووصفه بأنه رجل يجازف من أجل سلام، إنما هو مسعى مكشوف لتعويمه واحتوائه وكسب ود مؤيديه. لأن نتنياهو في الواقع لم يقدم أية تنازلات ليستحق عليها ذلك المديح المجاني. بل على العكس، فهو مستمر في التعنت وتوجيه الإهانات بل الصفعات للأميركيين. وإذا كان لنا أن نستأنس بلغة كأس العالم فلربما يمكن القول الآن: نتنياهو وإسرائيل 1 وأوباما وأميركا 0. والحال أننا لن نتمكن كعرب من فك شيفرة العلاقات الأميركية- الإسرائيلية الوثيقة مهما طورنا علاقتنا مع واشنطن، ولن ننجح في التأثير على السياسة الأميركية في قضايا المنطقة ما لم نستوعب استراتيجية إسرائيل وحلفائها ونجارِهم في التغلغل في الشأن الداخلي السياسي والمالي والإعلامي الأميركي. فقد نجح اللوبي المتنفذ الموالي لإسرائيل في تحويل الإدارة الأميركية إلى رهينة لمصالح تل أبيب، وحول الكونغرس الأميركي إلى مؤسسة تتناغم وتتماهى مع "الكنيست" الإسرائيلي، ووضع يده على الإعلام الأميركي ودفع به إلى الدوران في فلك الدولة الإسرائيلية، بينما نحن نتابع عن بعد ونتمنى ونتحسر محبطين من إدارة أميركية بعد الأخرى. لقد خذل أوباما العرب وغيرهم وخاصة الذين آمنوا وراهنوا على نجاح التغيير والتصالح الذي وعدنا به في خطبه المنمقة ومواقفه المتفهمة. ولكن من الواضح أن الثوابت الأميركية تبقى أقوى بكثير من أوباما ونواياه!