قضية "وورث- بيتانكور" في رؤيتين... واستقطاب الشارع العربي بين مشروعين! تأجيج صحافة "اليسار" الفرنسي لسجالات قضية "وورث- بيتانكور" بهدف مهاجمة نظام ساركوزي، ودخول صحافة "اليمين" في خنادق الدفاع عنه "ظالماً أو مظلوماً"، وتنافس المشروعين الإقليميين التركي والإيراني في الفضاء العربي، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام كُتاب افتتاحيات وصفحات رأي الصحف الفرنسية. مسلسل "وورث- بيتانكور" ما زال معظم كُتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية منخرطين بقوة في سجالات قضية وزير العمل "أريك وورث" وتهم الفساد الموجهة له بمحاباة الثرية ليليان بيتانكور مقابل منافع مادية شخصية وحزبية. والجديد، حسب معظم الصحف، في هذه القضية المتصاعدة -التي أصبحت الآن بين يدي القضاء- هو أن شرر تهمها الطائرة وصل إلى ساركوزي نفسه الذي قيل إنه، قبل الرئاسة، كان يحضر بانتظام موائد "بيتانكور" ويقبض "مظروفه" النقدي كالآخرين! ويتوقع أن يرد سيد الأليزيه على كل التهم والأسئلة المحرجة المثارة حوله في لقاء تلفزيوني غداً الاثنين! وضمن الهجوم المضاد اتهم القيادي في الحزب الحاكم "كزافييه برتراند" وسائل الإعلام -المحسوبة على اليسار واليمين المتطرف معاً وخاصة موقع ميديابار Mediapart- التي روجت القضية بتبني "طرق فاشية" متمالئة مع المعارضة، لافتعال هذه القضية ولي أعناق الحقائق فيها بهدف تلفيق تهم ضد الوزير "وورث" وحاميه الرئيس، ومن ورائهما الحزب الحاكم. وهنا طفح كيل العديد من كُتاب افتتاحيات الصحف المستقلة واليسارية وردوا على تهمة "الفاشية" هذه تحديداً بأسوأ منها. صحيفة لوموند ردت بافتتاحية ساخنة قالت فيها: "فيما يتعلق بالتهمة المحزنة نفسها فهي كلاسيكية: فلطالما اتهمت الصحافة بأنها وراء جميع المصائب، وبأنها بمثابة جهاز قياس درجة الحرارة الذي يجب كسره لأنه أشار بوضوح إلى وجود الحمى"، هذا زيادة على أن الرد المتسرع باتهام الموقع المذكور بتبني "طرق فاشية" ليس دليلاً على أن اليمين الحاكم في موقع قوة. ثم، إن وسائل الإعلام ليست، على كل حال، هي من أصدر شيكاً بمبلغ قدره 30 مليون "يورو" لصالح السيدة بيتانكور، وبوسائل التفاف ضريبي ملتوية. ووسائل الإعلام أيضاً لا تشتغل على أجندة مظلمة، بإملاء من المعارضة، من أجل التشويش على برنامج إصلاح نظام التقاعد، ومن وراء ذلك استهداف وزير العمل. هنالك أسئلة جدية مطروحة، وينبغي البحث لها عن إجابات. وهنالك كثير من الأدلة على التهم المثارة هذه، ومن الصعب تصاعد كل تلك القرائن من لا شيء. ولا تقل كذلك حدة لهجة الرد في افتتاحية ثانية كتبها لوران جوفرين في صحيفة ليبراسيون، أول من أمس (الجمعة)، حيث قال ابتداءً إن هنالك نبرة لا تطاق في طريقة تعامل بعض متنفذي الحزب الحاكم مع قضية "وورث- بيتانكور"، وخاصة ردودهم المتشنجة عليها. ولاشك أن اتهام وسائل الإعلام بـ"الفاشية" ينم عن جهل فاضح بدلالة هذه الشتيمة، وإلقاء جزافي مجاني لها على الصحفيين، دون وجه حق. وقد صححت المحاسبة السابقة للثرية بيتانكور، على كل حال، ما تمت نسبته بطريقة غير دقيقة إليها، وقالت بوضوح إنها تعتقد فقط أن "من الممكن" أن يكون ساركوزي تلقى "مظاريف"، شأنه في ذلك شأن العديد من المسؤولين السياسيين الآخرين! ولاشك أن هذا الاحتراز والتصحيح خففا التهم ضد الرئيس وأفرغاها من مضمونها. وفي عدد ليبراسيون أيضاً ليوم أمس (السبت) واصلت افتتاحية أخرى لفابريس روسيلو الهجوم العنيف على المعسكر الحاكم، مؤكدة أن الرئيس يجد نفسه الآن في أضعف مواقفه، ولاشك أن سحره لم يعد منطليّاً على الرأي العام، فقد أشارت استطلاعات الرأي إلى فقدانه خمس نقط من شعبيته خلال الأيام الماضية، ولذا يتوقع منه في لقاء غد (الاثنين) أن يقول الكثير مما لا تتسع مدة ساعة المقررة للتفصيل فيه. أما في افتتاحية لومانيتيه فقد فتح الكاتب جان- بول بييرو النار على الحزب الحاكم، قائلاً إن الإعلام ليس هو من سجل حوارات ثقيلة حول ممارسات الفساد التي تم تسريبها فيما بعد! وليس هو أول من تحدث عن "المظاريف" المتخمة بالأوراق البنكية، التي تم توزيعها في حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" وبطريقة عارية من أية مشروعية. حملة "لوفيغارو" المضادة! صحيفة لوفيغارو اليمينية -المقربة من ساركوزي- تكاد تكون هي الوحيدة من بين الصحف الوطنية الكبرى التي ما زالت تتبنى قضية الرئيس وتدافع عن رؤية الحزب الحاكم لخلفيات وأبعاد قضية "وورث- بيتانكور". فقد سعى "إيتيان موجيوت" في افتتاحيتها، أول من أمس، للتقليل من أهمية القضية المثارة مؤكداً أن من سيئات عالم الإنترنت والعولمة تحويلهما لأتفه الشكوك إلى قضية عامة منتشرة على نطاق واسع، وبشكل مضلل، وهذا ما وقع فيه بالفعل موقع "ميديابار" الذي يعد اليوم رأس الحربة في زوبعة بيتانكور. ولكنه مع ذلك خرق قاعدتين أساسيتين من قواعد اللعبة، حيث نشر تهماً مرسلة ومختلقة دون التحقق من مصداقيتها، وزاد على ذلك بتقويل المحاسبة السابقة للثرية بيتانكور ما لم ترد هي قوله أصلاً. ومع أننا، يقول الكاتب، لا نريد إلقاء الرضيع مع مياه حوض الاستحمام، وبالتالي لا ندين كل الصحافة الإلكترونية بجريرة موقع واحد، إلا أنه يلزم التأكيد على أن لصحافة التحقيقات أيضاً أصولاً ووسائل لا غنى عنها لضمان استغلال أمثل للحق في الإخبار، مع ضرورة الاحتكام في كل ذلك إلى مبادئ الصدق والمسؤولية. صحيح أن قضية بيتانكور لن تدرك قريباً نهايتها، إلا أن أولئك الذين يظنون أن كل الطرق مسموحة للنيل من رئيس الجمهورية عليهم أن يتوخوا المزيد من الحذر والنباهة، لأن رهان شخصنة الاستهداف في هذا النوع من الصراعات لا يتأدى إلا إلى كل ما هو مخالف لروح الديمقراطية ودولة القانون. وفي لوفيغارو ذاتها كتب أيضاً "إيفان ريوفول" مقالاً رد فيه الصاع صاعين لمنتقدي ساركوزي ووزيره الأثير "وورث"، وقال كنا نعتقد أن الصوت النشاز الذي سيرتفع في هذه القضية هو صوت قيادية اليمين المتطرف "مارين لوبن"، ولكن للمفارقة طلع علينا صوت زعيمة الحزب الاشتراكي "مارتين أوبيري"، ذلك اليوم، لتقارن بين ساركوزي والمحتال برنار مادوف! كما تربعت سيغولين رويال لتتحدث عن "النظام الفاسد"، وبهذه الكيفية حشر الحزب الاشتراكي أنفه واهتمامه في أشد الممارسات "الشعبوية" والديماغوجية رداءة، ظاناً أن ذلك سيخرجه من حالة انعدام الوزن التي يرزح فيها منذ نشوب أزماته الداخلية المتلاحقة. ولاشك أن سقوط الاشتراكيين في وحل هستيريا اللاساركوزية، وواحدية برنامجهم، هما مما يقرب الجميع من نشوب أزمة سياسية مستشرية، يتوقع لها ألا تبقي ولا تذر. بل إن الشعبوية، إذا كانت تعني دعوة فرنسا الأعماق الصامتة لأن تأخذ مصيرها بيدها، تبدو أنبل بكثير من تلك الرؤى الكاريكاتورية التي يفتعلها الاشتراكيون ويغذونها بدعوتهم إلى إسقاط النظام، باسم الشرعية الديمقراطية! الشارع العربي بين مشروعين اعتبر الكاتب أنطوان بصبوص، مدير مرصد الدول العربية، في تحليل سياسي بصحيفة لوموند، أن العرب في دول المشرق يتعرضون الآن لهجمة استمالة قلوب وعقول من قبل مشروعين إقليميين متنافسين، يسعى كل منهما لملء الفراغ الاستراتيجي لصالحه الخاص، وهما المشروع الإقليمي الإيراني المطروح منذ فترة في مقابل مشروع "تركيا الجديدة" الإقليمي، الذي يزداد الشعور بحضوره على الطاولة منذ فترة أقرب. أما دول المغرب العربي فاهتمامها متجه إلى أوروبا، وإن بقيت محتفظة بحساسية عالية تجاه مصير الفلسطينيين. وفي الواقع فإن تركيا بقيادة إسلاميي "حزب العدالة والتنمية" قد أعادت تدريجيّاً صياغة مفهومها الاستراتيجي بفضل رؤية وزير خارجيتها "أحمد داود أوغلو". ذلك أن تركيا التي فقدت بعض أهمية دورها الحيوي بعد نهاية عهد الحرب الباردة، والتي ظلت دوماً تصطدم بالمطبات التي يضعها الاتحاد الأوروبي في وجه انضمامها، وجدت ضالتها أخيراً في "عقيدة داود أوغلو" الجديدة التي تتيح لها انخراطاً أكبر في محيطها الطبيعي، العربي والإسلامي. ولاشك أن ذلك، يحقق، في الوقت نفسه، مكانة خاصة لتركيا في خرائط التوازنات الإقليمية، بقدرما يقوي موقفها في الحلف الأطلسي، ويجعلها أيضاً تقرع أبواب أوروبا من موقع قوة. وفي تفاصيل الاستراتيجية الجديدة يقول الكاتب إن أنقرة دشنت دبلوماسية شديدة الفاعلية بهدف دعم انفتاحها وشراكاتها مع جوارها العربي، والإيراني، وكذا فتحت مقاربة جديدة تجاه الأكراد في الداخل وفي إقليم كردستان العراق، وفي المقابل قلبت ظهر المجن لشراكتها السابقة مع إسرائيل. ولأن القضية الأساسية التي تعبئ اهتمام الشارع العربي كله هي قضية فلسطين، التي يشعر العرب حيالها بمرارة العجز عن تحريك ساكن لاستعادة الحقوق طيلة الستين عاماً الماضية، لذا بدت التحركات التركية الأخيرة في هذه القضية سياسات جذابة بالنسبة للشارع العربي. ويرجح الكاتب أن يمثل دخول المشروع الإقليمي التركي طرفاً في التنافس على خطب ود الشارع العربي خصماً من فرص أية مشروعات إقليمية أخرى، وخاصة المشروع الإقليمي الإيراني، بالنظر إلى وحدة المذهب بين الأتراك والعرب من جهة، وأيضاً لأن المشروع التركي يبدو في نظر كثير من العرب بمثابة أخف الضررين الإقليميين. ولا يغفل الكاتب كذلك إثارة احتمال آخر هو أن يكون الطرف المغازل بدبلوماسية "أسطول الحرية" داخليّاً أيضاً، بالنظر إلى أن الانتخابات التشريعية التركية أصبحت قريبة، وخاصة أن القواعد الناخبة المؤيدة لـ"حزب العدالة والتنمية"، هي شرائح متدينة عموماً ومؤيدة بقوة للقضية الفلسطينية. إعداد: حسن ولد المختار