خلال فصل الصيف الجاري سينفق حوالي 2500 مرشح أفغاني، رجالا ونساء، ملايين الدولارات وسيخصصون المئات من الساعات لقطع أخطر الطرق وللوصول إلى أماكن ينعدم فيها الأمن للتنافس على 249 مقعداً في الغرفة الثانية من البرلمان، ومن الآن وإلى غاية موعد الانتخابات القادمة في 18 سبتمبر المقبل سيقرر العديد من المرشحين، ومن بينهم الكثير من النساء، الانسحاب إيثاراً للسلامة. كما أن البعض منهم سيتعرضون لأعمال عنف، وربما يقتلون جراء ذلك، وبالطبع سيتساءل العديد من المرشحين عن الجدوى من خوض تجربة الانتخابات هذه في ظل الوضع المضطرب! وباستحضار ما جرى في الانتخابات الرئاسية، العام الماضي، وما قيل إنه ساد خلالها تزوير وتجاوزات يكون الجواب على تساؤل المرشحين هذا بالنفي القاطع، لأن أي فشل جديد هذه المرة من قبل المجتمع الدولي في التصدي لعيوب النظام الانتخابي سيكون له وقع مدمر على مؤسسات الدولة الهشة في أفغانستان. كما سيحد من إمكانية إحراز أي تقدم في العملية السياسية المتعثرة. وعلينا في هذا السياق أن نعتبر من إقالة ماكريستال بما هي إنذار يحذر من التعالي في أوقات الأزمات. ومع أن إدارة أوباما أكدت أنها ستمضي قدماً في استراتيجية مكافحة التمرد التي أطلقها ماكريستال في العام الماضي، إلا أنه يتعين على واشنطن إجراء تقييم موضوعي حول ما إذا كانت قادرة على تحمل ضربة أخرى توجه إلى استقرار أفغانستان، فمع اقتراب الانتخابات البرلمانية التي لم يعد يفصلنا عنها سوى شهرين، وفي ظل التراجع الخطير في الوضع الأمني حان الوقت للاعتراف بأن التكتيكات السياسية التي سمحت لكرزاي بكسب الانتخابات في السنة الماضية وضمان انتخابه مرة أخرى رئيساً للبلاد لم تعد صالحة. ففي غياب إصلاح انتخابي جدي وانعدام شفافية أكبر في العملية السياسية يبقى تأجيل الانتخابات البرلمانية لهذه السنة هو أفضل استراتيجية متاحة حاليّاً، فقد تدهور الوضع الأمني على نحو واضح منذ تحدي الأفغان للعنف ومشاركتهم الفعالة في انتخابات شهر أغسطس الماضي. كما أن العمل الحكومي وصل إلى طريق مسدود وسط الصراعات المتكررة بين الرئيس والبرلمان. ومع أن لجنة الشكاوى الانتخابية في أفغانستان ألغت أكثر من مليون صوت مزور لصالح كرزاي في الخريف الماضي، إلا أن القليل من الإصلاحات الضرورية للنظام الانتخابي تم تطبيقها خلال هذه الفترة، حيث ما زال السجل الانتخابي غير واضح، بالإضافة إلى استمرار بعض المسؤولين الذين وقفوا مع التزوير وساعدوا على التدخل في الانتخابات في مناصبهم على رغم الشكاوى المرفوعة ضدهم. وإزاء كل هذا يبدو أن المجتمع الدولي عاجز، أو غير راغب في التدخل بعدما أوكل مهمة التحري إلى لجنة الشكاوى التي تُركت هي الأخرى لكرزاي لتعيين أعضائها بهدف تحديد النتيجة النهائية للانتخابات. والأكثر الخطورة أن النظام الذي وضع لمنع مشاركة المجرمين في الانتخابات انهار بسبب مراكز القوى الأفغانية، فقد رُفعت في البداية مجموعة من الشكاوى نيابة عن مسؤولين كبار في أفغانستان حول وجود أكثر من 300 مرشح يشتبه في انتمائهم إلى جماعات غير قانونية، ولكن بعد مراجعة لجنة حكومية لقوائم المشتبه فيهم لم يتم استبعاد سوى ثلاثين شخصاً، وهو ما حدا بلجنة الشكاوى الانتخابية إلى وصف التقييم بأنه "مريب". وأخيراً وبعد فترة طويلة من الشد والجذب السياسي لم يُستبعد سوى 31 مرشحاً على خلفية ارتباطهم بجماعات مسلحة. وما لم يجهر المجتمع الدولي بمعارضته لتدخل كرزاي في العملية الانتخابية ستستمر التجاوزات، وهو ما يعني تفاقم العنف، كما سيعني أيضاً أن من سينجح من المرشحين فقط هم القادرون على ترويع الناس ورشوتهم. ويبدو أن المجتمع الدولي استسلم للأمر الواقع ووطَّن نفسه على الفشل، فعندما أصدر كرزاي مرسوماً يجرد فيه لجنة الشكاوى الانتخابية من جميع صلاحياتها ويعطي لنفسه الحق في تعيين أعضائها لم نسمع أي احتجاج من الدبلوماسيين الغربيين في كابول. فلو فشلت لجنة الشكاوى في بلورة خطة واضحة تعلنها على الملأ لمواجهة التزوير في الانتخابات البرلمانية القادمة ووضع آلية للفصل في النزاعات الناشئة، ستنتهي الانتخابات المقررة في شهر سبتمبر المقبل على الأرجح بكارثة محققة. وبالمثل إذا عجزت الولايات المتحدة وشركاؤها في أفغانستان عن مقاومة إصرار الحكومة الأفغانية غير الواقعي على قدرة قواتها الأمنية على حماية أكثر من 6800 مركز للاقتراع فإننا سنشهد تصاعداً كبيراً في العنف خلال يوم الاقتراع وما بعده. ومع أن التكلفة المالية للانتخابات البرلمانية المقبلة التي تقدر بحوالي 120 مليون دولار هي أقل بالنصف من تكلفة الانتخابات الماضية، إلا أن التكلفة السياسية ستكون أفدح بكثير وستطال مجمل استراتيجية مكافحة التمرد في أفغانستان. ولا ننسى أن الشكوك التي تراود الشعب الأفغاني إزاء العملية السياسية لم تمنعه وفقاً لاستطلاعات الرأي التي أجريت من التأكيد على أن اختياره للطريقة التي سيحكم بها والأشخاص الذين سيقومون بذلك يبقى في جميع الأحوال أفضل من انعدام الخيار. كما يدرك الأفغان أن اختيار أعضاء البرلمان هو أكثر أهمية بالنسبة لحياتهم اليومية ومصالحهم الآنية من انتخاب الرئيس، أو المجالس المحلية الفاقدة للصلاحية. وإذا كان المجتمع الدولي غير مستعد لضمان انتخابات نزيهة وبعيدة عن التزوير فلا خيار سوى تأجيل الانتخابات البرلمانية المقررة في شهر سبتمبر المقبل حتى تُستكمل الإصلاحات، وإلا فإن مجمل العملية الانتخابية سيسفر عن انتصار سهل للمتمردين في أفغانستان. كانداس روندو ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باحث بارز في مجموعة "الأزمات الدولية" بأفغانستان ينشر برتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"