مرة أخرى وفيما يحاول الغرب مساعدة أفريقيا يلحق بها المزيد من الضرر، فقد انخرطت العديد من المنظمات الإنسانية مثل مؤسسة "جيتس" وشركات الصناعات الغذائية الكبرى، فضلاً عن بعض صناع السياسة الأفارقة في الترويج لما يسمونه "الثورة الخضراء الثانية" ما تضمنه حسب رأيهم من أمن غذائي لقارة طالما عانت من المجاعة، لكن رغم كل الضجيج والنوايا الحسنة التي تحف بهذه الثورة الموعودة، يبقى المرجح أن تتجاوز مضارها منافعها بكثير، فالحل الذي يدافع عنه مروجو الثورة الخضراء الأفريقية، التي صيغت على نموذج "الثورة الخضراء" في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بالاعتماد على التكنولوجيا لتحسين المنتجات الزراعية، يقوم على تحوير البذور وزيادة المخصبات المركبة لتعزيز المردود الزراعي، وهي المقاربة نفسها التي اعتمدتها أفريقيا على مدار الخمسين عاماً الماضية، دون أن تأتي بالنتائج الباهرة المتوقعة، ودون أن تحقق القارة السمراء أمنها الغذائي مقارنة بما كانت عليه مطلع القرن العشرين، بل لن يتغير شيء من المجاعة التي تعاني منها فئات عريضة من الشعوب الأفريقية فقط بضخ منظمات الإغاثة وتوفير المزيد من المال وتسخير العلم واللجوء إلى الشركات المتخصصة. ولعل ما يحول دون نجاح هذه الثورة الخضراء ثلاثة أسباب رئيسية، أولها الاتجاه الخاطئ، الذي يركز عليه العلماء بحصر اهتمامهم في كيفية تنمية المحصول الزراعي والتوصل إلى أنواع أكثر مقاومة للأمراض والآفات، وبموجب هذا المنظور، يتعامل العلماء مع التربة والأرض على أنها المشكلة التي يتعين حلها بدل التعاطي معها على أنها الحاضنة الطبيعية للمزروعات، ويقتصر التركيز في هذا النموذج على طريقة تحوير النباتات بدل إنتاج محصول صحي والعناية بالتربة. والحقيقة أن الغذاء الصحي يأتي من أرض صحية تراعي الموارد المائية للدول الإفريقية التي تعتبر أساس القطاع الزراعي في أية دولة تنظر إلى المدى البعيد ولا تسعى إلى تنمية المنتوج الزراعي على حساب الأجيال القادمة، فـ"الثورة الخضراء"، التي يروج لها كثيرًا ستدمر التربة المحلية في أفريقيا وتفاقم المشاكل التي تعاني منها القارة في الوقت الراهن مثل انعدام الأمن الغذائي وانجراف التربة، وتزايد موجات الجفاف، ثم التعرض للفيضانات عند سقوط الأمطار، هذا بالإضافة إلى انهيار أنظمة الأنهار ومخزون المياه الجوفية بسبب الاستعمال المفرط للأسمدة والمواد الكيماوية المستخدمة فيها لتعظيم الإنتاج الزراعي، وعندما تقل الموارد وتُدمر تنشأ النزاعات والحروب ومعها تُنفق مليارات الدولارات على خطط حفظ السلام وبرامج الإغاثة وغيرها، ولئن كان دعاة "الثورة الخضراء" لا يسعون إلى هذه النتيجة، إلا أن تلك المشاكل تبقى جزءاً أساسياً من التداعيات غير المقصودة لثورتهم المزعومة، أما السبب الثاني الذي يدعونا للحذر من "الثورة الخضراء" فهي طبيعة الأرض في أفريقيا التي تتميز بكونها رعوية في أغلبها وليست زراعية بوجود 70 في المئة من الأراضي يطغى عليه الطابع الرعوي وهي إما جافة أو شبه جافة، أو استوائية، فبلد مثل كينيا 80 في المئة من أراضيه رعوية، لذا أي تدخل لتغيير هذه الطبيعة بتحويل الأراضي إلى مساحات زراعية بما يستدعيه ذلك من تدمير النباتات واستخدام المبيدات والمخصبات من شأنه الإضرار بالبيئة الطبيعية، فغابات السافانا التي كانت منتشرة على نطاق واسع في أفريقيا قبل أن تتراجع مساحتها يرجع نموها إلى مخلفات قطعان الحيوانات التي كانت ترعى في السهول الأفريقية، ومن شأن تحويل تلك المساحات إلى أراض زراعية أن يستنسخ تجربة السهول الكبرى في الشمال الأميركي التي تعرضت لأضرار جسيمة مثل انهيار المراعي والتربة وانحسار المياه، ولا ننس أن معظم الأفارقة يمتهنون الرعي وليس الزراعة، لذا فإن تحويل أراضيهم للزراعة لن يضر فقط بالأرض، بل سيدمر أيضاً ثقافتهم السائدة. وأخيراً تعتمد مقاربة الثورة الخضراء في مسعاها لتحصين الأمن الغذائي على الإنتاج دون مراعاة النتائج الاجتماعية والاقتصادية والحيوية لتغير نمط معيشي معين بآخر غير مألوف، ذلك أن الزيادة في الإنتاج الزراعي على حساب التربة والمياه والنسيج الاجتماعي في أفريقيا كمن يتقدم خطوة إلى الأمام ليتراجع ثلاث خطوات إلى الوراء، والواقع أن ما تحتاج إليه أفريقيا هي ثورة تعتمد على الناس وتعمل على تعبئتهم للتركيز على نمط الإنتاج السائد القادر على صيانة الأرض، وهو ما يمكن تسميته بالثورة البنية التي تحافظ على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للقارة السمراء، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى الجهد الذي قام به "ألان سافوري" المولود في روديسيا، فقد توصل هذا العالم ومعه فريق من الباحثين في مركز أفريقيا للإدارة الشاملة بزيمبابوي إلى نتائج واعدة باستخدام تربية الماشية التي تعتبر النشاط الاقتصادي الأول في البلاد، وقد حقق الفريق نجاحاً كبيراً على مدى السنوات الخمس الأخيرة دون الحاجة إلى إنفاق مبالغ كبيرة في التحوير الجيني للبذور وإنتاج مواد كيماوية ضارة تدخل في صناعة الأسمدة والمبيدات، بل ركز على تثقيف الأهالي وتوعيتهم من خلال الجمع بين الممارسات التقليدية المعروفة لديهم وتقنيات حديثة في رعي ماشيتهم والتعامل مع قطعانهم، وقد تمكن الفريق بالاعتماد على هذه التقنيات البسيطة التي تحترم الأرض من الزيادة في عدد رؤوس الماشية والحفاظ على الكلأ الضروري للرعي، فضلاً عن حماية الموارد المائية، بل حتى تطوير الإنتاج الزراعي بالاعتماد على مخلفات الماشية والأبقار والمحافظة على جودة التربة وسلامتها. شانون هورست كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"