أعلنت جمعية "بيل وميليندا جيتس" الخيريّة تخصيص مليار ونصف المليار دولار للسنوات الخمس القادمة، من أجل تطوير الخدمات الصحيّة للأم والطفل. وقالت "ميليندا" في خطاب ألقته في واشنطن بمؤتمر (الإنجاب لدى المرأة)، إن على العالم إنقاذ أرواح النساء والأطفال الذين يموتون يوميّاً بالدول الفقيرة. هذه الجمعية لا تقتصر هباتها على جنسية محددة، أو ديانة معينة أو بلد بعينه، بل تقوم بتقديم يد العون للبشرية جمعاء. وقد قرر رجل الأعمال الأميركي "وارن بوفيت" السير على خطى العديد من أثرياء العالم بالتبرّع بـ 85 في المئة من ثروته التي تُقارب الأربعين مليار دولار إلى جمعية "بيل وميليندا جيتس" الخيريّة، مُصرّحاً بأنه ترك لأبنائه وأحفاده ما يكفي ليعيشوا في رغد ورفاهية طوال عمرهم، ومؤكداً بأنه لا يُريد أن يكون ناكراً للجميل، لأن هذه الثروة من وجهة نظره يجب أن تعود إلى من كانوا السبب في تحقيقها قاصداً الآخرين من بني البشر. لا أدري إن كان حُلماً بعيد المنال أن اسمع مثل هذه العبارات الجميلة على لسان واحد من أثريائنا العرب، وكم أتمنى أن أرى مثل هذه المشاهد المضيئة في بلداننا. صحيح أن هناك ومضة من هنا، وومضة من هناك تشعُّ بين حين وآخر في أفضية مجتمعاتنا العربية، لكن بريقها لم يزل خافتاً مقارنة بما نراه شائعاً في مجتمعات الغرب. هل هذا التصرّف السخي نابع من ثقافة المجتمع، كون الفرد يتربّى هناك على احترام آدمية الإنسان؟! إذا كان هذا القول صحيحاً فهذا يعني بأننا يجب أن نكون في المقدمة، على أساس أن ديننا يحثنا على مبدأ التكافل والتعاضد الاجتماعي، لكن للأسف ما يجري على أرض الواقع مُخالف تماماً لمبادئ شريعتنا، فهل صدقت مقولة الإمام محمد عبده "رأيتُ إسلاما بلا مسلمين. ورأيتُ مسلمين بلا إسلام" بعد مرور عقود عليها؟! هناك من يُدافع عن مواقف الأثرياء العرب، بالقول إن هناك أسباباً خفيّة تدفع الأثرياء في المجتمعات الغربية إلى التبرّع بجزء كبير من ثرواتهم للجمعيات الخيريّة، كالرغبة في الخلاص من قيمة الضرائب الهائلة المفروضة على شركاتهم. وكي لا يتركوا ثرواتهم الضخمة بأيدي ورثتهم ليُحققوا نجاحاتهم المستقبليّة بأنفسهم. حتّى وإن كانت هذه الأهداف تحديداً، هي التي تضطر الأثرياء في الغرب إلى التخلّص من ثرواتهم، فأعتقد بأن لدينا أسباباً عديدة، من الممكن أن تدفع أثرياءنا إلى التبرّع بجزء من ثرواتهم للمؤسسات الخيرية، فهناك ملايين من الشباب العربي العاطل عن العمل، ينتظر من يمدَّ له يد العون والمساعدة ليُحقق جزءا من أحلامه. وهناك الفقر الذي تتزايد نسبته يوماً بعد يوم في بلداننا، نتيجة الفساد المتفشي بأنواعه في أروقة مجتمعاتنا، الذي التهم في طريقه الأخضر واليابس. أتذكّر عندما وقعت مأساة جدة، التي تهدّمت فيها بيوت الكثير من الأهالي، أن هبَّ أبناؤها لمساعدة الأسر المنكوبة بفضل فاعلي الخير من العامة. لم أجد ثرياً سعودياً يُعلن على الملأ تبرّعه ببناء وحدة سكنيّة على أرض من أراضيه الشاسعة، للأسر التي تهدّمت بيوتها. ولم أسمع لحد الآن عن رجل أعمال كبير، قرر اقتطاع جزء من ثروته وتقديمه كمنحة لإحدى الجامعات المرموقة عربيّاً، أو تسخيره لبناء معامل حديثة لتطوير الأبحاث العلمية، فهل ما يجري على أرضنا العربية هو انعكاس لخيباتنا المتوالية؟! هل فقد أثرياؤنا الثقة في نقاوة مجتمعاتهم، مما جعلهم يضنون بثرواتهم على بني قومهم؟!