يوماً بعد يوم، يكتشف الرئيس الأميركي -الغض العود سياسيّاً- أن الكلام في الحملات الانتخابية شيء، وأن الواقع السياسي شيء آخر، وأن الكلام "ببلاش" أو كما يقولون بالإنجليزية TALK IS CHEAP أثناء وقبل الانتخابات، بل وحتى في جامعة القاهرة أو بالبرلمان التركي، ولكن تطبيقه شيء مختلف تماماً. مضى على خطاب أوباما بجامعة القاهرة عام كامل قال فيه كلاماً جديداً عن ضرورة وقف بناء المستوطنات، لكن المستوطنات شيء، والقدس شيء آخر بالنسبة لنتنياهو، فاستمر في البناء فيها وطرْد الفلسطينيين منها وتدمير الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية، تحت ذريعة التجديد تارة وذريعة بناء حدائق عامة تارة أخرى. إذن، يوماً بعد يوم ينفذ نتنياهو أجندته المتطرفة: لا وقف للمستوطنات، ولا وقف لسياسة الهدم والاقتلاع، ولا دولة فلسطينية، واللوم -يلقيه نتنياهو على الفلسطينيين. وقد بارك باراك أخيراً هذه السياسة بعد اجتماعه مع رئيس الوزراء الاسرائيلي يوم الثلاثاء الماضي، وشاركه في إلقاء الكرة في ملعب الفلسطينيين: تعالوا أيها الفلسطينيون إلى طاولة المفاوضات المباشرة، فإسرائيل تنوي السلام وجادة فيه -حسب تصريح أوباما. أي أنكم ما لم تأتوا للمفاوضات المباشرة، فإن اللوم يقع عليكم، وسيبدو كما لو أنكم ترفضون السلام! يا سلام؟ على عكس اللقاء الأول بين أوباما ونتنياهو الذي رفض الأخير حتى نشر صوره، كان اللقاء الأخير حميميّاً على مستوى الإعلام، وبرقت فيه كاميرات المصورين، وتطايرت فيه الابتسامات المتبادلة وجاء تصريح أوباما ليتنفس نتنياهو الصعداء. تصريح أوباما كان توقيته ممتازاً بالنسبة لنتنياهو، فقد جاء بمثابة طوق النجاة له في وقت يشتد فيه الانتقاد لسياسة حكومته داخل إسرائيل، ويلومه خصومه على عزلتها الدبلوماسية، وتخريب علاقاتها الخارجية، فقد تضررت علاقاتها مع أحد أهم حلفائها في المنطقة وهو تركيا إثر العملية الدامية ضد "أسطول الحرية"، وكاد تعنت حكومة نتنياهو يخرب العلاقة مع أهم حلفائها وهو الولايات المتحدة الأميركية. إسرائيل أرسلت لتركيا رسائل تحذيرية دموية كردية: إن استمر تصعيدكم بمناصرة الفلسطينيين، فإننا سنصعد لكم هجمات إرهابية يقوم بها الأكراد نيابة عنا. معروف أن الحركات الكردية -ولأسباب براجماتية بحتة- تستمد دعماً إسرائيليّاً، ويربط مراقبون بين ارتفاع حدة الهجمات الكردية داخل تركيا، وبين موقفها المتشدد تجاه إسرائيل بعد حادثة "أسطول الحرية". القيادة الفلسطينية المتمثلة في حكومة محمود عباس، أسقط في يدها: فلا هي تستطيع أن تعلن نهاية عملية السلام، ولا هي قادرة على تسويق سلام حقيقي على الأرض في ظل سياسة الاقتلاع والاستيطان، ومع هذا فإن أوباما يطالبها بالعودة للمفاوضات المباشرة. أوباما يفكر بالانتخابات النيابية القادمة في الخريف القادم، ويتوقع كثيرون خسارة كبيرة لحزبه فيها لنجاح خصومه في بث صورة عنه بأنه متحدث جيد ولكنه سياسي سيئ، والابتسامة مع نتنياهو والإشادة بسياساته تصب في خانة الغزل الانتخابي للوبي المساند لإسرائيل داخل أميركا، ومن ثم فإن آخر ما يفكر فيه أوباما حتى الخريف القادم هو ما قاله في القاهرة العام الماضي أو ما سبقه في أنقره بالبرلمان التركي والكلام "الرخيص" عن الدولة الفلسطينية. إذن، نجح نتنياهو في فرض أجندته، وتمرير سياساته، وإسكات خصومه في الداخل. والحق أن نجاح نتنياهو ما كان ليتم لولا غياب -أو قل انعدام الدور العربي، فلو أن هناك تحركاً عربيّاً استغل حادثة "أسطول الحرية"، ولو كان هناك موقف عربي متواتر لفضح سياسات نتنياهو وممارسة الضغط لوقفها، لما كتب النجاح بامتياز لنتنياهو، ولما وجد الفلسطينيون أنفسهم -مثل كل مرة- يستجدون المساندة التركية، أو الخطب الإيرانية.