يفرض الوضع المتردي في أفغانستان وصعوبة احتواء المشاكل المتفاقمة هناك، إخضاعه لتحليل على مستويين؛ الأول متعلق بالحرب نفسها وبالمحاولات الأميركية المتعثرة للقضاء التام على "طالبان" وإخماد تمردها لفرض حكومة أفغانية موالية لأميركا، والثاني مرتبط بالتداعيات السياسية المحلية المترتبة على استبدال "حرب بوش" في العراق بـ"حرب أوباما" في أفغانستان، ففيما قامت الحرب الأولى في مبرراتها على وهم امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل وتهديده للولايات المتحدة وإسرائيل، ركز التدخل في أفغانستان على فكرة أخرى لا تقل شططاً في خيالها مفادها أن أميركا والعالم مهددون بباكستان النووية التي قد تسيطر عليها "طالبان". لكن في التداعيات الداخلية لحرب أفغانستان كان الاهتمام الأميركي باستبدال "ماركيستال" ببتراويس، علماً أن هذا الأخير هو من وضع خطة مكافحة التمرد التي يعتمد عليها حالياً الجيش الأميركي. وتستند هذه الخطة على مبدأ تطهير المواقع التي يتواجد بها التمرد بدفع المزيد من القوات إليها والبقاء هناك بعد وصول تعزيزات أميركية جديدة إلى أرض المعركة، على أن يصاحب هذا الجهد العسكري عمل آخر على الجانب المدني والسياسي يقوم بإعادة الإعمار ثم إقامة بنية سياسية ذات مصداقية تعكسها الحكومة الأفغانية. والحقيقة أن هذه ليست أكثر من تقنيات كلاسيكية خبرتها الجيوش في محاربة التمرد ومواجهة حرب العصابات، وقد لجأت إليها القوات الأميركية في مناسبات سابقة مثل حرب الفلبين بين 1899 و1902 وحرب فيتنام أواخر ستينيات القرن الماضي، فضلا عن تجريبها في العراق حيث أثمرت انبثاق الصحوات السنية وانقلابها على "القاعدة". لكن ما يميز تلك التجارب ويفسر النجاح الذي لقيته أحياناً هو وجود سياق سياسي مشجع، وهو ما ينعدم اليوم بشكل كبير في أفغانستان. فحالياً يتركز اهتمام القوات الأميركية هناك على "مرجة"، وهي البلدة التي سبق للجنرال "ماكريستال" التعهد بتطهيرها والحفاظ على أمنها ثم إدخال الحكومة المدنية لخدمة سكانها. وبعد "مرجة" ظهرت قندهار التي تعتبر ثاني أكبر مدينة في أفغانستان ومعقلا لمتمردي "طالبان". لكن بعد فترة من التواجد في "مرجة"، أدرك الأميركيون مدى الفراغ السياسي وانتفاء سلطة حقيقية تتحمل أعباء الإدارة والحكم بعيداً عن الجيش الأميركي الذي هيأ المكان وأبعد عنه "طالبان"، فكانت النتيجة عودة بعض عناصر "التمرد" لاختراق المدينة وتهديد أمنها مجدداً. وعلى الصعيد الداخلي الأميركي، نشأت العديد من التصورات الغريبة مثل ما أكده المعلق "راي ماجوفرن"، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية وأحد المنتقدين لحروب أميركا الحالية، من أن تصريحات ماكريستال غير الحذرة إلى صحفي معروف بتوجهه اليساري في مجلة "رولينج ستون"، لم يكن عشوائياً، بل جاء في سياق خطة لتخلي الجنرال عن الحرب في أفغانستان بعدما أيقن بفشلها وغرق السفينة الأميركية. كما أن تخلص أوباما من ماكريستال واستبداله ببتراويس جاء لصالح أوباما الذي درأ عنه هجوم الجمهوريين. لكنه أيضاً، ومن وجهة نظر انتخابية، مكنه من توجيه ضربة مزدوجة إلى كل من ماكريستال وبتراويس اللذين سبق أن لمحا معاً إلى طموحاتهما الرئاسية. فإذا كان ماكريستال قد سقط اليوم بسبب تعليقاته المشينة، فإن بتراويس -إذا صدقت نبوءات سلفه المتشائمة حول الوضع في أفغانستان- سيفقد بلا شك رصيده في حرب خاسرة. وبالطبع لن يكون هناك جنرال ينافس أوباما ما لم يقرر ماكريستال الذي قال إنه صوت لصالح أوباما في الانتخابات السابقة الترشح باسم الجمهوريين. ومهما يكن الوضع بالنسبة للتداعيات الداخلية على الساحة الأميركية، فالحرب في أفغانستان خرجت عن السيطرة السياسية لأميركا، حتى لو أرسلت عشرات الآلاف من جنودها وشيدت المزيد من القواعد العسكرية. وبحلول التاريخ الذي قرره أوباما -وهو ديسمبر المقبل- كموعد لإجراء تقييم عام للوضع الأفغاني، ربما تكون أمور أخرى قد حدثت في ظل مساعي الرئيس كرزاي لإيجاد تسوية سياسية مع "طالبان"، وتعزيز علاقاته مع التحالف الشمالي، ثم التنسيق (وإن بشكل غير مباشر) مع الاستخبارات العسكرية الباكستانية. ولعل ما يريده الباكستانيون والأفغان الذين لا يرغبون في رؤية بلادهم تمزقها آلة الحرب الأميركية، هو ما سبق أن سماه قائد الجيش الباكستاني، اشفاق كياني، "المصالحة الوطنية الكبرى". لكن المسؤولين العسكريين والمدنيين في الولايات المتحدة مازالوا متمسكين بأفغانستان بما تمثله من موقع استراتيجي وما تزخر به من موارد، فضلا عن تخوفهم من سقوط باكستان في أيدي "طالبان" وما يمثله ذلك من خطر على السلاح النووي، ناهيك عن الجيش الباكستاني الذي لا يكن الكثير من الود للولايات المتحدة. وهو ما قد يدفع أميركا إلى الدخول في حرب أخرى في حال قررت استهداف المتطرفين والدفع بجيشها داخل الأراضي الباكستانية... ليبقى المخرج الوحيد لأوباما من هذا المأزق هو الوفاء بتعهداته ومغادرة أفغانستان بحلول 2011 على أبعد تقدير. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "ميديا تريبيون سيرفيسز"