يقدم كتاب الدكتور فالح عبدالجبار، والذي عنوانه "ما بعد ماركس"، دراسة في أصل النظرية الماركسية كتمثل للواقع، ويحاول في صفحاته الـ350، التعرف على سمات عالم ما بعد الماركسية، وعلى ما يشغل تفكير الماركسيين في التعاطي مع العولمة. ويتألف الكتاب من خمسة أقسام رئيسية: "في النظرية"، و"نهاية ثورة أكتوبر"، و"العالم والعولمة"، و"التوليتارية والديمقراطية"، وأخيراً "ملحق تعليقات صحفية". لكن هل هناك نظرية مكتملة لدى ماركس حول الدولة؟ إجابة المؤلف هي أن الدولة مثلت بالنسبة لماركس نقطة البداية والنهاية في وقت واحد؛ فانتصار نمط الإنتاج الرأسمالي الذي كرس ماركس فكره لدراسته وتحليله، يبدأ بالظفر السياسي للطبقة الرأسمالية، مثلما أن نهاية التشكيلة الرأسمالية، والتي استشرف ماركس قرب اندثارها الوشيك، يتحقق هو أيضاً بتدمير الدولة الرأسمالية، عبر ثورة اجتماعية بقيادة البروليتاريا. هذا طبعاً مع تأكيد ماركس على الدولة بوصفها متغيراً تابعاً؛ أي كجزء من البنية الفوقية للمجتمع. لذلك سيتجه النصيب الأكبر من التحليل الذي أنتجه ماركس إلى دراسة "المجتمع المدني"، وإن لم يتخل عن إفراد مكانة أساسية لتحليل الدولة، لكنه لم يترك إرثاً كافياً في مجال دراسة الدولة، بل خلف حقولا فارغة تتعلق بتشكيل الدول الحديثة في أوروبا وآسيا. فقد عاصر ماركس ثورة "الميجي" في اليابان، واطلع على إصلاحات محمد علي، وكانت التنظيمات العثمانية الأولى قد بدأت في حياته... لكن رغم إشاراته المهمة لنمط الإنتاج الآسيوي، ونظام الدولة الشرقية القائم على غياب الملكية الخاصة للأرض، فإن عينه بقيت لصيقة بأوروبا، وتحديداً بدولها الرئيسية مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ومن ذلك يخلص الدكتور عبدالجبار إلى أن ماركس لم يتسن له الوقت الكافي كي يضع مصنفه الخاص في الدولة، وإنما خلّف لنا نثاراً من الملاحظات العميقة حيناً والهجائية حيناً آخر، عن الدولة كما تطورت في رقعة محددة من الجغرافيا (أوروبا)، وفي حقبة محددة من التاريخ (العصر الحديث)... لذلك بقي مشروعه ناقصاً. وهو النقص الذي لم يفلح إنجلز في إكماله والتعويض عنه، رغم ما قام به من محاولات جادة، وكذلك الشأن بالنسبة للينين أيضاً. وتأكيداً على ذلك النقص، يرفض المؤلف التقسيم الثلاثي المبسط للماركسية، على أنها "مادية تاريخية" و"مادية ديالكتيكية"، و"اشتراكية علمية"، ويوضح أن هذا التقسيم مستمد من مقالة كتبها لينين للتعريف بالماركسية، فثبّته الباحثون السوفييت في أقانيم شكلية، وتم تحويله إلى مذهب أو منظومة، فكان أحد منابع تقويض الماركسية. وإذا كانت ثورة أكتوبر الروسية وقيام الاتحاد السوفييتي أول اختبار عملي للأطروحة الماركسية حول الدولة ونمط الإنتاج وصراع الطبقات، فإن المؤلف يرى أنها ثورة جاءت في أكثر البلدان الرأسمالية تأخراً، أي أكثرها افتقاداً لشروط التطور التاريخي للرأسمالية والسعي للخروج منها وتجاوزها، كما وضعها ماركس. لذلك فقد اعترض مفكرون ماركسيون عظام على فكرة استيلاء الطبقة العاملة الروسية على السلطة، لأنها كانت أقلية في بحر من الفلاحين. وقد حاول لينين الخروج من هذا المأزق بابتداع نموذج رأسمالي حكومي مؤقت، لكن نموذجه عاش انفصالا بين واقعه المتخلف وادعائه الأيديولوجي ببناء الجنة الموعودة، ثم أخيراً انهار تحت وطأة تناقضاته المستحكمة. وقد اقترن انهيار الاتحاد السوفييتي بتصاعد ظاهرة العولمة، والتي يعرض المؤلف عدداً من ثيماتها المترابطة، مثل ماهية العولمة في الفكر الليبرالي الجديد، والعولمة في نظر اليسار الراديكالي، وأخيراً معالم العولمة في ترابطاتها واتجاهاتها المحتملة. ويرى أن العولمة هي مجموعة عمليات موضوعية في طور تكنو- إلكتروني من تطور الحضارة الصناعية الرأسمالية، وأنها حافلة بالتناقضات والصراعات. وكما أن الماركسية، بصيغتها السوفييتية على الأقل، قد تهاوت وانزوت، فإن مذاهب ما بعد الحداثة -بترسيخها مبدأ النسبية واللاأدرية- تكرس حالة الغموض واللايقين. وحتى الليبرالية المنتشية بظفر نهاية التاريخ، تتهاوى تحت وقع تشاؤمية "صدام الحضارات". وهكذا يتضح في مرحلة ما بعد ماركس، أن الحاجة إلى وجود "سرديات كبرى"، أي نظريات نسقية جامعة مانعة، باتت موضع ارتياب، بل محل رفض واسع ومبرر. محمد ولد المنى الكتاب: ما بعد ماركس المؤلف: د. فالح عبدالجبار الناشر: دار الفارابي تاريخ النشر: 2010