أصبح الاهتمام بنشر مبادئ العلوم والتكنولوجيا، والعمل على استيعابها وتوطينها إحدى أهم أولويات الدولة في السنوات القليلة الماضية، لأن ذلك أصبح المدخل الرئيسي نحو اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على أحدث وسائل التكنولوجيا العالمية في مختلف مجالات الإنتاج، خاصة في المجالات الحيوية كالطاقة النووية، وصناعة الطيران. وفي هذا السياق فإن العديد من الهيئات والمعاهد التعليمية في الدولة أصبحت تتخذ من السياسات والخطط ما يخدم هذا الهدف، وتركز في جهودها على تشجيع المواطنين لتعلم مبادئ التكنولوجيا وعلومها، ومن المؤشرات الحديثة إلى هذا التوجه، ما تمّ إعلانه مؤخراً من قيام "معاهد التكنولوجيا التطبيقية" بالتعاون مع "مؤسسة الإمارات للطاقة النووية" و"شركة كوريا للطاقة الكهربائية" بابتعاث 50 طالباً مواطناً للتدريب في محطات الطاقة النووية في كوريا الجنوبية، لتكون أول دفعة يبتعثها المركز للتدريب في هذا المجال. وكذلك في افتتاح "مركز الاستكشاف" داخل "جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا والبحوث"، مؤخراً، بهدف تعريف الطلاب الدور الذي تلعبه التقنية في القرن الحادي والعشرين والطرق التي تؤثر من خلالها في نمط الحياة والأعمال، وإحاطتهم بتقنية السيليكون، وكيفية تصميم رقاقات الحاسوب وتصنيعها وآليات عمل مصانع الرقاقات والوظائف المتاحة في مجال التقنيات العالية، هذا فضلاً عن الخطط الرامية إلى تدريس مناهج الطاقة بفروعها المختلفة، المتجدّدة والغاز والبترول والطاقة النووية السلمية، لجميع طلبة معاهد التكنولوجيا التطبيقية، اعتباراً من العام الدراسي المقبل. لا شك في أن تدريب طلابنا المواطنين على التقنيات المتقدمة للطاقة النووية، وتشجيع بعضهم الآخر على تعلّم علوم التكنولوجيا المتقدمة يعتبر توجهاً مهمّاً ينطوي على مردودات إيجابية عديدة، أولها أنه يسهم في بناء كوادر وطنية في مجالات حيوية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي للدولة كالطاقة النووية والصناعات الاستراتيجية في العديد من القطاعات الحيوية والدقيقة، وهي مجالات ينبغي أن يكون القائمون عليها من المواطنين. ثانيها أن هذا التوجه ينسجم مع تركيز الدولة على الانخراط في الاقتصاد المعرفي، باعتبار أنه أصبح المدخل الأساسي لتحقيق معدلات تنمية مرتفعة في العديد من القطاعات الحيوية، كالطيران والمصارف والاتصالات والموانئ وغيرها، وذلك لتحقيق هدف رئيسي هو إحداث نقلة نوعيّة وكميّة في مستوى الحياة في مجتمع الإمارات. وثالثها أن هذا التوجه أصبح المدخل المناسب لتوطين التكنولوجيا، لأنه ثبت بالفعل أن عملية نقل التكنولوجيا واستيعاب علومها ومبادئها المختلفة لا يمكن أن تتمّ في غياب كادر بشري ملم بعلوم التكنولوجيا المختلفة، وقادر على تطويرها وتوطينها، خاصة إذا ما تمّ الأخذ في الاعتبار أن محاولات نقل التكنولوجيا وتوطينها اصطدمت خلال الحقب السابقة بغياب العنصر البشري القادر على تعلم علومها واستيعابها ومن ثم تطويرها وتوطينها، وذلك لأن السيطرة على التكنولوجيا تتمّ من خلال المعرفة ومن خلال نظم البحث والتطوير وليس بالامتلاك الشكلي لها. وهذا ما تدركه قيادتنا الرشيدة بوضوح، حيث تحرص على توفير البنية التحتية اللازمة لتوطين التكنولوجيا المتقدمة، سواء من خلال إنشاء معاهد ومراكز التكنولوجيا المختلفة، أو من خلال إقامة شراكات مع المؤسسات العالمية المرموقة في هذا المجال، وابتعاث طلابنا المواطنين إليها، من أجل بناء قاعدة من الكوادر المواطنة، تمتلك القدرة على التعاطي مع التطورات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها عالم اليوم وتطويعها من أجل التنمية وخدمة المجتمع.