الخلط بين ما هو "ديني" و"عادي" من العادات والتقاليد التي لا يخلو منها أي مجتمع بشري، أصبح أمراً مربكاً ومزعجاً في الطرح الفكري والعملي. ولتجلية الأمر من البداية يجب وضع الخط الفاصل بين الأمرين حتى لا تفسر العادات في حكم العبادات، فشتان الفرق بين الموضوعين دينيّاً أولاً وفكريّاً ثانيّاً، ومتى تحولت العبادات إلى عادات فقدت روحانيتها وأثرها في النفس الإنسانية. لذا يقال في الأمثال من العادة ترك العادة حتى لا تصبح واجباً ثقيلاً أو أمراً يخجل الإنسان من تركه. في المجتمعات العربية والإسلامية لم يتم هذا الفرز ولم يبن هذا الجدار العازل حتى لا يحاكم الناس على العادات الموروثة وفقاً لأحكام الدين في الحل والحرمة وما بينهما. من الناحية الاجتماعية في الحياة البشرية وبكل تياراتها ومعتقداتها، فالدين يمثل أحد عوامل الضبط الاجتماعي وقد يكون عند البعض عاملاً رئيسيّاً والعادات والتقاليد والأعراف عوامل فرعية، ومن المتفق عليه أن الدين لا يستبعد عن هذا المجال، لما للدين من قدسية خاصة لدى جميع الأمم وإن اعتقد البعض بـ"الطواطم". لا نريد أن تصل مرتبة "العادة" إلى التقديس أو الضحية، وكأن من يقوم بأي سلوك مخالف لها يجرم دينيّاً ويحاكم شرعيّاً وكأنه خالف معلوماً من الدين بالضرورة. أن نواجه أحياناً أناساً يعانون الالتباس بين ما هو ديني وما هو عادي أي بمعنى ما درج عليه الناس في أي مجتمع، لذا قد تحدث مشادة بين شخص وآخر على لباس اعتاد شريحة من الناس ارتداءه سواء كان رجلاً أو امرأة. ففي بعض المجتمعات نرى أن الرجل الذي يغطي رأسه، يعد في عداد من ارتكبوا فعلاً مشيناً، بل إن بعض الناس يهرعون حتى في المساجد إلى وضع غطاء على رأس المصلي، حتى وإن كان في وضع الصلاة لاعتقادهم بأن في صلاته نقصاً فيما لو ترك رأسه حاسراً، مع أنه لا يوجد في فقه الصلاة ما يدعو إلى ذلك بل إن بعض الفقهاء ربطوا كشف الرأس من الغطاء بالمزيد من التذلل لله. حتى إذا كان بعض الفقهاء قد اعتادوا في تخريجاتهم لبعض المسائل الفقهية كمن اتخذ "العرف" وهو جزء من العادات والتقاليد، مبرراً لجواز بعض الأحكام الشرعية لم يصموا المخالفين أو تاركي تلك الأحكام بأي وصف ديني سلبي وإلا كان العرف بمثابة الدين في الحكم وهو ما لم يقل به أحد. لذا نجد أن أكثر من تسعين في المائة من أحكام الدين تخص جانب المعاملات التي تخضع لميزان المرونة والأخذ والعطاء لأنها تتماس مع احتياجات الناس المتغيرة، فأحكامها قابلة لمتغيرات الزمان والمكان. وهذا مما قد يوقع المتشددين والمتطرفين من أي تيار كانوا في مصيدة التزمت في أمر له في الدين سعة صدر ومرونة حكم. فعندما نسمع مقولة إن عادة القوم فعل كذا وكذا أثناء حراكهم مع الآخرين في شتى مناحي الحياة، فهذا لا يعني أنهم يتبعون تعاليم الدين التي قد تتعارض فعلاً مع بعض تلك العادات التي قد لا يتخلى عنها البعض بدعوى أنها لصيقة بالدين إن لم تكن جزءاً من الدين وهي بعد التمحيص الدقيق ليست كذلك.