تشهد دول مجلس التعاون الخليجي عملية تحديث مهمة يتم التركيز خلالها على تطوير التعليم بكافة جوانبه بصورة نوعية ضمن مساعٍ جادة لإيجاد الترابط المرجو بين مُخرجات التعليم ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في دول المجلس. وفي دولة الإمارات تسعى الحكومة الاتحادية إلى القيام بتغيرات جذرية لخدمة هذا التوجه، كما يسعى "مجلس أبوظبي للتعليم" برئاسة سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى إحداث نقلة نوعية غير مسبوقة تستجيب وتتكامل مع التغيرات في البنية الاقتصادية للدولة، حيث ذكر سموه مؤخراً "إن الكوادر المؤهلة ذات القدرات الرفيعة والجودة العالية هي رهاننا الحقيقي للانتقال بمستويات العمل إلى مراتب متقدمة من الأداء والتميز" إذ يتوقع أن تتكامل التوجهات الاتحادية والمحلية في هذا الشأن. أما في دولة قطر، فإن الشيخة موزة بنت ناصر المسند تقود عملية شاملة لإصلاح التعليم وإفساح المجال لدور أكبر للمرأة القَطرية في التنمية. كما ازدادت أعداد المبتعثين للدراسة للخارج بكافة دول المجلس تقريباً، مع التركيز على التخصصات العلمية الحديثة والنادرة، بما فيها علوم الطاقة النووية والطيران والاتصالات. صحيح أن التعليم في دول المجلس حقق تقدماً مهمّاً في العقود الثلاثة الماضية، إلا أن هذا التقدم ركز على الجوانب الكمية لاعتبارات تتعلق ببداية التعليم من جهة وبالاحتياجات الهائلة للنمو الاقتصادي من جهة أخرى، إلا أن ما نراه حاليّاً من تغيرات في نمط التعليم يختلف تماماً عما سبقه، فالجهود موجهة للجوانب النوعية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتغيرات النوعية التي شهدتها البنية التحتية للمجتمعات الخليجية، وذلك إلى جانب التغيرات في بنية العلاقات الاقتصادية الدولية التي تتطلب كوادر محلية بمهارات معولمة تستطيع التعامل ليس مع محيطها المحلي، وإنما مع العالم باعتباره قرية صغيرة. وتركز استراتيجيات التعليم الحديثة في دول المجلس على الاستفادة من تجارب حققت فيها بعض البلدان، كماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، قفزات تنموية مذهلة بفضل اهتمامها بالتعليم الذي اعتبر أساساً للتنمية، كما أن هذه الاستراتيجيات التعليمية تسعى إلى تجنب رواسب السلبيات السابقة التي أدى بعضها إلى إفساح المجال أمام المغالاة والتطرف بدلا من أن تكون عوناً تنمويّاً معتمداً على التعليم والابتكارات العلمية. ولا يعني ذلك التغريب كما يحاول بعض المحللين الإشارة إليه عند تطرقهم لهذه الاستراتيجيات التعليمية في دول المجلس، بدليل اهتمام هذه الاستراتيجيات بالهوية الوطنية وبتأهيل المواطنين الخليجيين وإدماجهم في مجتمعاتهم وتعريفهم بتاريخ منطقتهم بصورة صحيحة وبعيدة عن التهويل، والانفتاح على الآخر والتسامح الذي يقدم المواطن الخليجي بصورة حضارية راقية. ويتزامن ذلك مع توجهات اقتصادية جديدة بحاجة إلى نوعية متقدمة من التعليم تعتمد على ما تم تحقيقه من تقدم علمي على المستوى الدولي، كما أن مثل هذا التكامل بين متطلبات التنمية والاستراتيجيات التعليمية التي يتم التعامل معها والاهتمام بها على أعلى المستويات القيادية في دول المجلس سيساهم مساهمة فعالة في قضية أخرى لا تقل أهمية تتعلق بتوطين التقنيات الحديثة التي اقتصر التعامل معها حتى الآن على عملية الاستيراد، وذلك بسبب ضعف مراكز البحوث والاكتشافات العلمية، التي يتوقع أن يزداد الاهتمام بها. ومن ذلك يتضح أن هناك أساساً تنمويّاً قويّاً يتم تشييده بالاعتماد على قواعد مستدامة ترتكز على استراتيجيات التعليم التي تعتبر المحرك الأول للتنمية، حيث يمكن في هذا الصدد وبصورة متوازنة، زيادة مساهمة المخصصات المالية لمراكز البحوث والاكتشافات العلمية لتصل إلى ما نسبته 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس، وذلك لتحويل هذه البلدان إلى مراكز للبحوث العلمية تتكامل مع التحديث الجاري في المجال التعليمي.