الدعوى القضائية الحالية في لندن ضد شركة العقارات القطرية "ديار"، أعادت مشهد الصراعات المعمارية في تسعينيات القرن الماضي. كنتُ قد سخرتُ آنذاك من لوحات ولي العهد البريطاني، وتوقعتُ طردي من البلد. وعشتُ على أمل أن لا يقرأ الأمير تشارلز نقدي المنشور في مجلة "الثقافة العالمية" التي تصدر في الكويت، مطمئناً نفسي أنه قد يشاركني الرأي حتى لو قرأه، ومن يضبط ردود أفعال العراقيين عندما يزدري أمير أجنبي ماجدة عراقية، وأيُّ ماجدة! "تصوّر امرأة ضخمة تخطو بفستانها العريض المطرز بأشكال متعانقة، وتصعد المنصة في ملعب برشلونة الأولمبي الذي يحتوي على 14 ألف مقعد، وتتحدث بتواضع عن مهنتها غير المرئية، وعندما تغادر الملعب ينتشلها الحرس من بين حشود المصورين، والمعجبين الذين يريدون الحصول على توقيعها". هكذا صوّر مراسل صحيفة بريطانية حضور المهندسة العراقية زهاء حديد مؤتمر "الاتحاد الدولي للمعماريين" عام 1996. سبب "مهنتها غير المرئية" كان حرمانها من بناء تصاميم عدة فازت بها على أبرز المعماريين العالميين، ومنها دار أوبرا مدينة كارديف، عاصمة مقاطعة ويلز. واعتبر الناقد المعماري لصحيفة "سانداي تايمز" فوزها بمثابة "حدث غير مفرح لولي العهد وهو في عقر داره". ومعروف أن تشارلز الذي يحمل لقب "أمير مقاطعة ويلز" يعتبر زهاء وزملاءها معماريي الحداثة مسؤولين عن تدمير العمارة الإنجليزية التقليدية، ويطلق على كلية الهندسة المعمارية AA التي درست فيها زهاء اسم "منزل فرانكشتاين"! ورغم افتتاح مكتبها في لندن عام 1979 بقيت المعمارية العراقية حتى نهاية القرن الماضي أشهر معماري عالمي لم ينشئ بناية ذات قيمة في لندن. الحجج التي استخدمت لحرمانها من تنفيذ تصاميمها "معيبة وشائنة" حسب اعتراف رئيس اتحاد المعماريين البريطانيين آنذاك. ويبدو الادعاء بأن بناياتها عائمة في الهواء يستحيل تنفيذها، نكتة بالنسبة لمعماري من بلد اشتهر ببناء "الجنائن المعلقة" في بابل قبل أربعة آلاف عام. وتحدّت زهاء، بروح ساخرة، الادّعاءات ضدها، معلنة: "سأبني فوق السطوح إذا لم يسمحوا لي بالبناء على الأرض". وأوشكت على تحقيق ذلك عندما فازت على 296 معمارياً بمسابقة تصميم "جسر سكني" على نهر التايمز في قلب لندن. يحتوي الجسر الذي لم ينفذ حتى الآن على قاعات مسارح وسينما وفنادق ومطاعم. ولم تحقق زهاء حلم الجسر الذي كان أطروحة تخرجها من الكلية إلاّ عام 2002 عندما أقامت في أبوظبي ثاني جسر يربط جزيرة العاصمة بأرض الإمارات. واعتمدت زهاء سنوات عدة على دعم والدها الصناعي والاقتصادي المعروف محمد حديد لتسديد نفقات مكتبها في لندن. وتدين لوالدها بنصيحة حكيمة لا تقدّر بثمن كرّرت ذكرها عندما التقيتها أول مرة: "أهم شيء هو الحفاظ على ضمير نقي يمكن أن يحميك مهما حدث لك". وقد هيأ لها الضمير النقي التعامل مع تراث بلدها في العمارة: "ليس كحقيبة نجرها خلفنا، بل كقوة تحرير". وأدركت الإنجاز الكبير للمعماريين العرب والمسلمين القدماء في إيجاد حيّز أو فضاء، وسخائهم الذي تعتبره أكثر ما يميز الروح العربية: سخاء المكان، وسخاء الطبع، وسخاء النظرة الإنسانية. ولا تزال زهاء في مطلع القرن الـ21 "النجمة الأولى بين مهندسين عالميين؛ مثل نورمان فوستر وريتشارد روجرز". ذكر ذلك محرر العمارة في صحيفة "الجارديان" الذي يعتبر زهاء "قائدة رجال ونساء وطلبة ومهندسين يكرسون مهنتهم لتشكيل مستقبل كوكب يتمدّن". وتكشف الدعوى القضائية المقامة حالياً في لندن ضد شركة "ديار" القطرية الأساليب الخفية لحرمان زهاء وزملائها، أساتذة العمارة العالمية من تنفيذ مشاريعهم. بطل القضية، الأمير تشارلز، لعب الدور الأساسي في إقناع الشركة القطرية شبه الرسمية بالتراجع عن بناء مجمع معماري في موقع ثكنات عسكرية في منطقة "تشلسي" وسط لندن. تبلغ كلفة المشروع نحو خمسة مليارات دولار، واعتبر قاضي الدعوى تدخل تشارلز "غير مقبول وغير مُرحبٍ به". وقد تحسم نصوص رسائل الإنترنت التي بعثها تشارلز إلى أمير قطر الدعوى ضد شركة "ديار". بعض الرسائل وقعها بخط يده بالعربية "شارلز" يستعطف فيها النظر "قبل فوات الأوان" في هذا الموضوع "ذي الأهمية العظيمة بالنسبة للندن". ويرفق بالرسالة تصميماً مقترحاً لمعماري من أنصار نظرته التقليدية، مبدياً استعداد مؤسسته، "بناء البيئة"، لتقديم خدماتها! ولا يمكن لوم شركة "ديار" التي تستثمر نحو 40 مليار دولار في مشاريع إنشاءات في 32 بلداً. فالحملة الإعلامية المستمرة لأكثر من شهرين حوّلت القضية إلى "قصة أميرين يتهامسان". وبدلاً من الامتنان لاستثمارات عربية تنّشط سوق العقارات الراكدة في بريطانيا، تطالعنا عناوين، مثل "الإمارة تلتذ بانتقاء العقارات في لندن"، أو نقرأ رسائل بريطانيين يعلنون تعاطفهم مع تشارلز لموقفه ضد "شراء عائلة حاكمة من بلد أجنبي أراض في عاصمة بلده"! وقد تنال شركة الإنشاءات البريطانية التي تولت المشروع نحو 100 مليون دولار التي تطالب بها كتعويض عن تراجع القطريين، لكن "الثكنات" في حي "تشلسي" خسرت فرصة أن يعيد إليها مصمم المشروع، ريتشارد روجرز، الألفة والخضرة والحضارة. فالمدن التي أنشئت للاحتفاء بما يجمع الناس تُصمم الآن لتفرق بينهم، حسب روجرز المشهور عالمياً بتصميم "مركز بومبيدو" وسط باريس، وعمارة "لويدز" في حي المال بلندن. وتقوم فلسفة روجرز المعمارية على إنشاء "مدن مدمجة، وعمارات مختلطة تتعايش فيها المشاغل والمنازل والمكاتب والمخازن"، ويسخر من تخطيط المدن الحالية الخاضعة لمواصفات حركة مرور السيارات ومواقفها: "هنا الذيل هو الذي يهزّ الكلب"! والعرب لا يملكون أموالًا سخية فقط يمكن استخدامها لتحقيق أحلام المعماريين العالميين، بل أحلاماً أكثر سخاءً يمكنهم تحقيقها. أثمن هذه الأحلام "مدينة مصدر" في أبوظبي التي يعمل فيها الآن المعماري "نورمان فوستر" المشهور بعمارات "بنك هونغ كونغ وشنغهاي" في الصين، والبرلمان الألماني "الرايخشتاغ" في برلين، والعمارة المشهورة باسم "الخِيارة" وسط لندن، والتي تستوحي شكل "المنارة" بألوانها الزاهية واستدارتها الرشيقة. مشروع "مصدر" يقيم مدينة ضواحي في أبوظبي تتسع لسكن 50 ألف نسمة، ولا تخلف نفايات، أو تبعث غازات ملوثة. ويقدم المشروع، حسب فورستر، دروساً لباقي مدن العالم. فهو يقيم عند إتمامه واحة عصرية خضراء، تخترقها شوارع ظليلة للمشاة، وتترقرق وسطها جداول الماء، وتتعرش حواليها الأشجار والمخازن والمطاعم والمنازل والمدارس. مواقف السيارات "سايلوات" خارج المدينة، وشبكة مرورها تحت الأرض، حيث يمكن استدعاؤها هاتفياً. وتعمل السيارات بالكهرباء داخل حدود المدينة، وبالوقود التقليدي على طرق المرور الخارجية. تفتتح هذا العام المرحلة الأولى من مشروع "مصدر"، والذي سيقيم عناقيد من مدن واحات خضراء تحتضن العاصمة أبوظبي.