يتزايد إدراك الأطباء يوماً بعد يوم، لمدى قوة العلاقة بين الحالة النفسية والصحة الجسدية، وبشكل لم يكن ليخطر على بال أفراد المجتمع الطبي قبل بضع سنوات. وهذه العلاقة تؤكدها الدراسات المتتابعة في العديد من المجالات الطبية، مثل الدراستين اللتين نشرتا هذا الأسبوع، في العدد نفسه من إحدى الدوريات الطبية الأميركية المتخصصة في الأمراض العصبية (Neurology)، وأظهرت نتائجهما أن الإصابة بالاكتئاب، تضاعف من خطر الإصابة بعته أو خرف الشيخوخة في المراحل اللاحقة من الحياة. وعلى رغم أن الأطباء يدركون أنه غالباً ما يتواجد الاكتئاب وعته الشيخوخة في ذات المريض، إلا أنه ليس من المعروف ما إذا كانت إحدى الحالتين تؤدي إلى الأخرى. وما تظهره الدراستان السابقتان هو أن الاكتئاب يؤدي إلى الخرف لاحقاً، وإن كان السبب غير واضح، وهو ما يؤكد وجود العلاقة، دون أن يظهر السبب المباشر. ويعتقد البعض أن العمليات الكيميائية التي تحدث داخل المخ، بالإضافة إلى نمط وأسلوب الحياة، وحجم وقت التفاعل الاجتماعي للشخص مع الآخرين، ربما تلعب دوراً في الإصابة بالمرضين. خصوصاً في ظل حقيقة أن الاكتئاب يسبب التهاباً في أنسجة المخ، كما أنه يتصاحب مع تواجد أنواع خاصة من البروتينات في المخ، وهي الظروف الفسيولوجية التي ربما تؤهل أكثر للإصابة بالخرف. وينتشر الاكتئاب بين أفراد الجنس البشري في العصر الحديث بدرجة ربما لا يتخيلها البعض، حيث تشير التقديرات الدولية إلى أن 16 في المئة من البشر يصابون في فترة من فترات حياتهم بالاكتئاب المرضي. ففي الولايات المتحدة مثلاً نجد أن الاكتئاب يصيب 6.5 في المئة من النساء الأميركيات، أما في كندا فيعاني 5 في المئة من السكان من الاكتئاب المرَضي، وفي بريطانيا يصاب شخص واحد من بين كل خمسة أشخاص بالاكتئاب المرضي في مرحلة ما من حياته. وإذا ما استخدمنا الأرقام السابقة للاستدلال على مدى انتشار الاكتئاب الإكلينيكي في الدول الأخرى يمكننا الاستنتاج بأن هذا المرض يصيب عشرات الملايين وربما مئات الملايين حول العالم، وهو ما يجعله سبباً رئيسيّاً من أسباب الإعاقة الصحية، وبقدر أكبر من الإعاقة التي يسببها السكري، أو التهاب المفاصل، أو الأزمة الشعبية، أو حتى الذبحة الصدرية. وإذا ما ترافق الاكتئاب مع مرض مزمن، مثل الأمراض سابقة الذكر، يتضاعف حينها المقدار الكلي للإعاقة في حياة المريض. وأحياناً ما يتخطى تأثير الاكتئاب مدى الإعاقة، ليصل إلى درجة الوفاة المبكرة، من خلال الانتحار. ففي كل عام، ينتحر حوالي 800 ألف شخص، 86 في المئة منهم في الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل، على عكس الاعتقاد الشائع بأن الانتحار يحدث بشكل أكبر بين سكان الدول الغنية. وعلى رغم أن أسباب الانتحار تختلف بشكل كبير، إلا أن الأمراض النفسية والعقلية دائماً ما تحتل مواقع متقدمة في قائمة أسباب الانتحار. وعلى صعيد عته الشيخوخة نجد أن الدراسات تشير إلى وجود أكثر من أربعة وعشرين مليون شخص مصابين بعته الشيخوخة حول العالم. ويقدر الباحثون أن هذا العدد سيتضاعف كل عشرين عاماً، ليصل إلى واحد وثمانين مليون شخص مصاب بحلول عام 2040. وهذه التوقعات بنيت على مقدار الزيادة السنوية الحالية في انتشار معدلات الإصابة، والبالغة قرابة الخمسة ملايين إصابة سنويّاً، أو إصابة جديدة كل سبع ثوانٍ. ومن الخطأ الاعتقاد بأن العته أو الخرف هو نتيجة طبيعية للشيخوخة، فعلى رغم أن التقدم في العمر يترافق مع تدهور طبيعي في الذاكرة، وفي التركيز، وغيرها من القدرات العقلية، إلا أن هذا التدهور ليس على نفس القدر، ولا على ذات الدرجة المصاحبة للإصابة في عته الشيخوخة. وهو ما يعني أن الشيخوخة الطبيعية لا تصاحب دائماً بالعته. مما يعني أن عته الشيخوخة في حقيقته انخفاض غير طبيعي في القدرات العقلية، يصيب البعض أثناء سنوات الشيخوخة. فمثلا، نجد أن عته الشيخوخة يصيب فقط 20 في المئة ممن تخطوا سن الثمانين، وفي الوقت نفسه يظل 80 في المئة الباقون ممن تخطوا سن الثمانين محتفظين بكامل قدراتهم العقلية، ولكن مع انخفاض نسبي وطبيعي بسبب تقدمهم في العمر. وتتعدد قائمة الأسباب التي تؤدي لخرف الشيخوخة، ومعظمها أسباب غير قابلة للعلاج، وإن كان مرض "الزهايمر" بالتحديد هو الذي يحتل رأس هذه القائمة، حيث يتسبب هذا المرض في قرابة ثلثي حالات الإصابة. وعلى رغم أن عته الشيخوخة، كما ذكرنا، يختلف عن التدهور الطبيعي في الوظائف العقلية المصاحب للتقدم في العمر، إلا أن التقدم في العمر ذاته يتصاحب مع ارتفاع مطرد في احتمالات الإصابة. وهنا تكمن المشكلة بالتحديد، بسبب الزيادة الواضحة في متوسط أعمار أفراد الجنس البشري، خصوصاً في المجتمعات الصناعية الغنية. وبالنظر إلى معدلات الإصابة بالاكتئاب حاليّاً، وزيادتها المطردة، والمترافق مع معدلات إصابة مرتفعة بعته الشيخوخة، وزيادتها المطردة هي الأخرى، فإن من الصعب أن نستبعد وجود علاقة مباشرة، أو حتى غير مباشرة بين المرضين، خصوصاً في ظل الحقيقة المعروفة بأن تدهور الحالة النفسية، وبالتحديد التوتر المزمن، يؤدي إلى تسارع مظاهر الشيخوخة، بما في ذلك تراجع القدرات العقلية والذهنية. وهو ما يعني أن نوبات الاكتئاب في المراحل الأولى من الحياة، تترك آثاراً وندوباً على الجهاز العصبي، تتجلى في شكل عته وخرف في المراحل المتأخرة من الحياة.