في عيد استقلال الولايات المتحدة ووسط الجدل الغاضب حول الهجرة، يجدر بالأميركيين أن يتأملوا دروس ماضينا المشترك، وأن يتذكروا أن التحديات التي تواجه بلدنا اليوم تم استشعارها منذ زمن الآباء المؤسسين. ذلك أن اندماج المهاجرين كان دائما بطيئاً ومثار جدل؛ والتقدم لم يكن يقاس بالسنوات وإنما بالعقود. ومع ذلك، فثمة خطوات على الجاليات والحكومة أن تتخذها من أجل تشكيل اتحاد أكثر تماسكا ونجاحا. ولنتأمل في ما يلي ما كتبه أحد الزعماء في 1753: "قلة قليلة من أطفالهم يتعلمون اللغة الانجليزية، واللوحات الإرشادية في شوارعنا تُكتب باللغتين... وإذا لم يتم وقف وتيرة قدومهم... فإنهم قريباً سوف يفوقنا عدداً لدرجة أننا سنفقد لغتنا، بل إن حتى حكومتنا ستصبح ضعيفة ". هكذا كتب بن فرانكين عن الأميركيين الألمان، الذين مازالوا يشكلون أكبر مجموعة إثنية في أميركا. وبعد قرن على ذلك، أصبحت مدن من الوسط الغربي مثل سينسيناتي وسانت لويس مدنا ناطقة بالألمانية في الغالب، وبلغ القلق بالجيران من أبناء البلد مبلغا لدرجة أن ولاية آيوا، مثلا، عمدت إلى حظر التحدث باللغة الألمانية في الأماكن العامة، بل حتى في الأحاديث الخاصة. بيد أن مؤيدي الهجرة ومناوئيها يتفقون على أمر واحد: أن تعلم الإنجليزية أمر أساسي من أجل النجاح والاندماج. لكن تعلم لغة ما في الكبر أمر صعب، ولذلك فإن مهاجري الجيل الأول كثيرا ما يستعملون لغتهم الأم. ولكن تاريخياً كانت الإنجليزية تهيمن دائماً بحلول الجيل الثاني أو الثالث في كل المجموعات المهاجرة. وحسب مركز "بيو"، فإن معظم المهاجرين الذين أتوا حديثاً يعترفون بأنهم في حاجة لتعلم الإنجليزية، وحوالي 90 في المئة من الجيل الثاني يتحدثون الإنجليزية. كما يشير بحث عالمي الاجتماع كلود فيشر ومايكل هاوت الذي نُشر في 2008 إلى أن تعلم الإنجليزية بين المهاجرين هو أسرع اليوم مقارنة مع الموجات السابقة. ولكن الاندماج السكني للمهاجرين يُعد تدريجياً أكثر. فقبل حوالي قرن، أظهر "ستانلي ليبرسون" أن معظم المهاجرين يعيشون في أحياء معزولة، "Little Italy" (إيطاليا الصغيرة) أو "Chinatown" (البلدة الصينية)، لعدد من الأجيال؛ وقد أبرزت هذه العزلة التمييزَ من جانب أبناء البلد والرغبةَ الطبيعية "للغرباء في أرض غريبة" في العيش بين وجوه مألوفة ووسط عادات وتقاليد مألوفة؛ ولم يخرج أبناء وحفدة مهاجري سنوات 1890 و1900 من تلك الأحياء المعزولة إلا مع موجة بناء الأحياء في الضواحي، والتي شجعتها السياسة الحكومية في الخمسينيات والستينيات. وبالتالي، فأن يعيش العديد من مهاجري اليوم في مناطق معزولة إثنيا يُعد أمراً طبيعياً تماماً، ولا يعكس هدفاً خطيراً لفصل أنفسهم عن المجتمع الأميركي الأوسع. والواقع أن الزواج المختلط، بالأمس واليوم، يُظهر أيضاً تقدماً مضطرداً على مر الأجيال. ففي الستينيات، وبعد أكثر من نصف قرن على بلوغ الهجرة الإيطالية أوجها، تزوج حوالي 40 في المئة من إيطاليي الجيل الثاني من أميركيين وأميركيات غير إيطاليي الأصل. واللافت أن هذا النسق نفسه يطبع مهاجري اليوم: ذلك أن 39 في المئة من اللاتين المولودين في الولايات المتحدة، مثلا، يتزوجون أميركيين وأميركيات من أصول غير لاتينية، حسب مركز "بيو" للبحوث. غير أن أحد الاختلافات التي تميز بين الهجرة أمس والهجرة اليوم هي كالتالي: نحن الأميركيين أبناء البلد – نبذل جهودا أقل مقارنة مع تلك التي بذلها أسلافنا للترحيب بالمهاجرين. فقبل قرن من الزمن كانت المنظمات الدينية والمجتمعية والاقتصادية والحكومة تقدم للمهاجرين دروساً في اللغة الإنجليزية والمواطَنة؛ وقد وجد المؤرخ "توماس بي. فاداز" أنه في بيت لحم بولاية بنسلفانيا مثلا، وهي مدينة مزدهرة يبلغ عدد سكانها حوالي 20 ألف نسمة ثلثاهم من المهاجرين، كانت "شركة Bethlehem Steel، التي تعد أكبر مُشغِّل، و"جمعية الشباب المسيحي" YMCA تقدمان دروساً في اللغة الإنجليزية بالمجان لآلاف المهاجرين في أوائل القرن العشرين، بل إنهما كانا يدفعان للمهاجرين لتشجيعهم على الاستفادة من تلك الدروس. أما اليوم، فإن الوافدين يواجهون طوابير انتظار طويلة لتعلم الإنجليزية، رغم أنهم يدفعون رسوماً للاستفادة منها. لماذا يعد كل هذا مهماً؟ لأن نظام هجرة قانوني يمثل امتيازً في اقتصاد عالمي تنافسي ومترابط؛ ذلك أن المهاجرين يُحسنون قدرتنا على النمو والازدهار في السوق العالمي الذي يعرف دينامية كبيرة؛ ونحن في حاجة إلى كل امتياز ممكن من أجل توسيع اقتصادنا وسط التحديات الكثيرة التي تواجهه، لاسيما في وقت يزداد فيه مجتمعنا شيخوخة. وبالتالي، فمن أجل تحسين اندماجهم في مجتمعنا الأميركي، علينا: تقديم دروس منخفضة الكلفة في اللغة الإنجليزية، وذلك بتعاون مع المنظمات الدينية والمجتمعية المحلية، حيث ينسج المهاجرون علاقات شخصية مع الأميركيين من بقية الأميركيين من أبناء إثنيتهم أو الأميركيين الذين ولدوا في أميركا، وهي علاقات تغذي الاندماج وتساعد المهاجرين الجدد على فهم مؤسساتنا المعقدة. - الاستثمار في التعليم العام، ومن ذلك التربية الوطنية والتعليم العالي؛ ذلك أن المدارس كانت أساسيةً خلال النصف الأول من القرن العشرين من أجل إعداد أطفال المهاجرين للنجاح وتغذية هوية وطنية مشتركة. - مساعدة الجاليات التي تعرف ارتفاعاً سريعاً في الهجرة. إن الاندماج لا يعني أن يتخلى المهاجرون عن هوياتهم الإثنية، لأن تجربتنا الوطنية مع الهويات المزدوجة تُظهر أن الأميركيين الصالحين يمكن أن يحتفظوا بشعور قوي بالهوية الإثنية. ولكن علينا ألا ننكر الصعوبات التي واجهها أسلافنا في الاندماج، مثلما علينا أن نحذو حذوهم للمساعدة على دمج المهاجرين. ولهذا الغرض، يتعين على الحكومة، والكنائس، والمكتبات، ومنظمات المجتمع المدني، والشركات أن تتعاون جميعاً لمواجهة هذا التحدي، مثلما فعلت قبل قرن مضى. جِب بوش ------- حاكم ولاية فلوريدا من 1999 إلى 2007 روبرت بوتنام أستاذ السياسة العامة بجامعة هارفارد ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"