لاحظ بعض المهتمين العرب بالشأن العربي، وخصوصاً منه المتصل بمسألة الإخفاقات المتتالية في مجتمعاتهم المعاصرة، أن بعض أسباب ذلك يعود إلى "إخفاقهم" في الدخول إلى عصر العولمة. ومن ثم، من أجل الخروج من هذه الوضعية، برأي أولئك المهتمين، ما على العرب إلا أن يسلكوا نهجاً خاصاً، هو المتسم بكونه "توفيقياً" ومن ثم، لعله - في رأي المذكورين - أصبح واضحاً على نحو قطعي، أن الأمر لم يعد يتعدى القبول بواقع الحال العولمي، على أن يحاول هؤلاء العرب أن يدخلوا عالمها برفق وحنكة وتصميم، وبالطبع بكيفية "توفيقية". وحين يفكر أولئك على النحو المذكور، فإنهم يجدون أنفسهم مطالبين بانتهاج خط يقبل به ذلك الغرب دون مماطلة، ذلك هو السلوك المنطلق من "الطريق الثالث" أو "الطريق التوفيقي". هذا هو ما قدمه الباحث السيد يسين في كتاب له يحمل عنوان "العولمة والطريق الثالث" الذي صدر في دار "ميريت للنشر والمعلومات - القاهرة 1999". ويرى الباحث أن العولمة ستنقل البشرية كلها، بعجرها وبجرها، أي بفقرائها وأغنيائها، إلى "آفاق عليا من التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي والسياسي الاجتماعي" (ص 165 من الكتاب المذكور). ومن شأن العرب والآخرين من الشعوب غير الغربية - والحال كذلك - أن يوفروا طاقاتهم في البحث عن طرق أخرى تستنفد كل جهودهم المتبقية. وكيف ذلك؟ يجيبنا السيد يسين، بثقة تامة، بأن العالم الجديد، العولمي، هو وحده، راهناً، يقف وراء تلك الثقة، إذ أن "وحدة الجنس البشري" هي ما سيشكل الهدف الحقيقي للعالم الجديد إياه: إن هذا يُفصح عن نفسه في كون ذلك الهدف، وصل - أخيراً - إلى مرحلة تحققه.. نلاحظ أن ما يقصده السيد يسين من أطروحته المعلنة، التأكيد على خطأ مَنْ يأخذ موقفاً مناوئاً ومضاداً للعولمة، بل إن مثل هذا الموقف برأيه سيفرط بفرصة تاريخية كبرى وربما وحيدة لتحقيق عملية الاندماج العربي في العصر العولمي، وإذن، سارعوا أيها العرب إلى تحقيق الحلم الجديد! بيد أن مناقشة أولية لما يعلنه السيد يسين تقتضي التذكير بثلاثة عناصر أخذت مداها في ظل العولمة. يتمثل العنصر الأول في الحروب العاصفة التي اندلعت في العالم وفي الجغرافيا العربية: إن سقوط بغداد يمثل جريمة عظمى في القرن الواحد والعشرين، في حين يتمثل العنصر الثاني في الانهيارات الاقتصادية (الأزمة المالية) وإحداثها شرخاً عميقاً في النظام الاقتصادي العالمي، بما في ذلك ما يحدث من انهيارات اقتصادية في العالم العربي، علماً بأن النظم العربية تتحمل مسؤولية كبرى في ذلك. وأخيراً يبرز العنصر الثالث ويتجسد في الجرائم الجديدة، التي تُرتكب بحق فلسطين ومن موقع إسرائيل والولايات المتحدة. ومع ذلك، قد يكون الموقف النقدي الإيجابي حلاً مناسباً تجاه العولمة، أي القول بعولمة جديدة لصالح الشعوب، أيضاً.