بعد كل ما شهده العالم، وما هو آتٍ، منذ نهاية الحرب الباردة، تكاد هذه الحرب تبدو ذكرى لطيفة. وإذا صحّ أن اكتشاف شبكة تجسس روسية في الولايات المتحدة يعيد أجواء الحرب الباردة، فهي لعمري حرب "خفيفة الدم"... هؤلاء عشرة جواسيس "لايت"، إلى حد أن أحدهم تبخر في قبرص، وكأنه ضاع في الحبر السري الذي لا نعرف لمَ اعتقدنا أنه لم يعد مستعملاً، فمهمة الجواسيس كتابة الممحي وقراءته... انظروا كيف تسابقت واشنطن وموسكو إلى القول إن الحادثة لن تؤثر على التحسن المستجد في علاقاتهما. هذه أول واقعة تجسس تتبادل فيها المجاملات لا الاتهامات. أكثر من ذلك، قيل همساً، وإلى حد ما علناً، إن الـ"إف بي آي" وجه باكتشافه الشبكة ضربة لباراك أوباما، لا لميدفيديف أو لبوتين، ولا حتى لـ "أسفيار" الوكالة الروسية للاستخبارات التي لم تدخل عالم الشهرة كسَلفتها الـ "كي جي بي". أما لماذا أوباما، لأن لـ"مؤسسة النظام" الأميركي تحجراتها وتعصباتها، فهي يمينية قحّة ولا تستسيغ المقاربات والتقاربات الأوبامية مع زعيمة العالم الشيوعي سابقاً. طبعاً، كانت للحرب الباردة آلامها ومآسيها، أبطالها وجواسيسها، عند الطرفين. لكنها كانت صارمة التنظيم، فلا مترو الأنفاق في موسكو تعرض لتفجيرات، ولا برجا مركز التجارة النيويوركي واجها خطر الانهيار، وعدا حروب بالنيابة هنا وهناك مرّت عقود أربعة وكأن المعسكرين في أوج الازدهار الاقتصادي. وعلى رغم "همجية" التجسس آنذاك، كما وصفه أحد نجومه السوفييت، إلا أنه كان مفيداً للطرفين في المحافظة على مستوى متكافئ للردع، وبالتالي لعدم الصدام. لو وقعت الحرب الباردة على النحو الساخن الذي تخيله العديد من الكتاب لربما عادلت كلفتها أو كانت حتى أدنى من تكلفة الأزمة المالية عام 2008. تلك الحرب كانت مكلفة بـ"برودتها"، لكنها لو خرجت من معادلة الرعب المتبادل لأنزلت بالبشرية أكبر الخسائر، أما الأزمة فحصلت فعلاً وأحرقت في غضون أيام الاحتياطي المالي العالمي، وها هي "دزينة" دول أفلست أو هي على وشك الإفلاس. حدث ذلك وكأن "جواسيس الجشع" تواطأوا معاً وجميعاً. الجوسسة في أي حال مهنة، فيها المحترفون والمتدرجون والمتدربون والمبتدئون. وفي عالم اليوم زادت تعقيداً على رغم الانفلاش الإعلامي المتغوغل، إذ أن التخمة المعلوماتية التي توفرها الإنترنت لا تعني أن الأسرار متاحة وإنما أوغلت في الاندثار في أصغر خلايا الأدمغة. فقبل أيام أعلن عن جهاز جديد يمكن أن يجري مسحاً للأفكار السابحة في رؤوس الأشخاص، وقبل شهرين عاد أحد المعارضين العرب إلى بلاده، وكان استبق زيارته ببعض الاتصالات التي خففت من "همجية" المحققين الذين طمأنوه إلى أن جلساتهم معه تهدف إلى "إغلاق" الملف. أما الملف فكان عبارة عن ستة أكوام من الورق يعود بعضها إلى أيام طفولته، والأغرب أنها محفوظة بعدما مررت على "السكانير"، وشكلت مسحاً لما قال وما لم يقل، ولما فكر أو لم يفكر. في النهاية تمنى لو يستطيع استعارة "الملف" لكتابة مذكراته، وقد اكتشف أنه نسي الكثير جدّاً مما عرض أمامه، بل استنتج أن عشرات الأشخاص تبرعوا بتدوين يومياته من دون علمه. لكن يصعب إحصاء العدد الإجمالي لمن يعملون كمتنصتين وبصاصين، فقياساً على عدد السكان لابد أن هناك شعوباً تشتغل في الجوسسة. ويبدو أن الظاهرة باتت تلوِّن المرحلة، فمنذ عام ونيف لا يمضي أسبوع في لبنان من دون الكشف عن متهم جديد بالتجسس لمصلحة إسرائيل. يقال في الأخبار إنهم أصبحوا سبعين معتقلاً، عدا الذين هربوا والذين لم يكتشفوا بعد. وقبل أسابيع سرّبت معلومات خجولة عن شبكة تخابر لمصلحة إيران في الكويت، ثم تأكد رسميّاً أن المسألة أصبحت في يد القضاء وحظر النشر عنها. ومنذ أيام أصبحت لدى إسرائيل شبكتها التي تبدو أكثر تخصصاً بالمخدرات منها بالاستخبارات. ولا تكتمل صورة المرحلة من دون فضيحة "الموساد" في دبي، فهذا الجيش من العملاء الذي جاء لاصطياد محمود المبحوح وقع في شباك الكاميرات وتورط معه أصحاب الأسماء الصحيحة على الجوازات المزورة. غير أن انكشاف الشبكة الروسية في أميركا دلّ إلى أن دولاً عدة مضطرة لمراجعة التسيُّب الحاصل في "باسبوراتها". إنها مجرد مرحلة في الجوسسة تشير، مثلما فعل الإعلام في العقدين الأخيرين، إلى أن هذه المهنة القديمة لم تعد حكراً على الدول المتقدمة أو تحت هيمنتها. ولعل القاعدة في هذا المجال هي أن المهم ليس الجاسوس الذي انكشف واحترق وإنما ذاك الذي يمثل أمامك يوميّاً ولا تعرف أنه هو من تبحث عنه.