في الوقت الراهن تمر سياسة أميركا في أفغانستان بحالة من الفوضى الشاملة. فالخوف من فيتنام ثانية بات محسوساً، وحلفاؤنا في مختلف أنحاء العالم يشعرون بذلك، وحلفاؤنا في "الناتو" يصطفون استعداداً لمغادرة ميدان المعركة، والدعم السياسي الداخلي يتداعى، وهو ما يرجع في المجمل للانعدام الكامل للكفاءة في إدارة تلك الحرب. وفضلاً عن ذلك، قامت إدارة أوباما بتغيير القادة العسكريين في أفغانستان للمرة الثانية، وهناك احتمال لتغيير التسلسل الهرمي للمدنيين العاملين هناك أيضاً. ويقال كذلك إن الرئيس كرزاي يتفاوض مع العدو، كما تشير الأنباء إلى أن مليارات الدولارات تُهرب من أفغانستان في حقائب سفر وصناديق شحن، وهو ما يشكل كله تحديات خطيرة قد تؤثر على درجة استعداد الجمهور الأميركي لدعم الحرب خلال الكساد العميق الذي يضرب اقتصاده في الوقت الراهن. ولكن تلك الأمور الجدلية السجالية المتمثلة في التغيرات والأمزجة الشخصية، والقيادة الأميركية الضعيفة في أفغانستان، والفساد المنتشر هناك، وعلى رغم كونها شيئاً ممجوجاً في حد ذاته، إلا أنها مجرد مؤشرات على سياسة الإدارة المعيبة. والمشكلة الحقيقية في هذا الصدد تتمثل في رأيي في التشوش الحاصل بشأن أهداف أميركا الأساسية، والطريقة التي يمكن تحقيقها بها. فحتى يومنا هذا، يضع السجال حول أفغانستان الذي يدور في واشنطن، سياسة مناوأة الإرهاب في مواجهة سياسة مواجهة التمرد. بمعنى الاعتماد إما على وجود عسكري محدود، أو حتى دون وجود عسكري، والاعتماد بدلا من ذلك على قدرات الضرب بعيد المدى ضد أهداف محددة (مناوأة الإرهاب) أو على مجهود عسكري كبير، ولكنه معدل بشكل يجعله مرتبطاً بالتنمية الاقتصادية والمؤسسية (مكافحة التمرد). والواقع أن أيّاً من الخيارين ليس سليماً. ذلك لأن أهداف أميركا في أفغانستان صريحة، ويمكن تحديدها على النحو التالي: أولا، هزيمة محاولات "طالبان" و"القاعدة" لغزو أفغانستان ثانيةً، وتحويلها إلى قاعدة للإرهاب الدولي مجدداً. ثانيّاً ضمان أن الاضطراب السائد في أفغانستان لن يضعف باكستان، أو يعرضها للخطر، أو يسمح لترسانتها النووية بالسقوط في أيدي الإسلاميين الراديكاليين. في الوقت الراهن أصبح الهدف الثاني أكثر إلحاحاً من الأول.. ولكن ليست لأي منهما في الحقيقة صلة مباشرة بالتقدم الاقتصادي والسياسي في أفغانستان. والأميركيون، في غالبيتهم، سيقبلون بالتعرض للخسائر في حرب تسعى لتحقيق مصالح الولايات المتحدة، ولكنهم لن يوافقوا على دعم مجهودات هشة لجعل أفغانستان مكاناً أفضل بالنسبة لسكانها. والتشوش الحالي في سياستنا المتعلقة بأفغانستان، يقدم دليلا واضحاً على أن أهداف استراتيجية مكافحة الإرهاب هي أهداف محدودة بدرجة قد لا تتيح ضمان الاحتفاظ بترسانة باكستان النووية في أيدٍ أمينة، كما أن الموارد المخصصة لها غير كافية بدرجة لا تتيح إمكانية تدمير "طالبان". وفي الناحية المقابلة، نجد أن سياسة مكافحة التمرد -على الأقل بالصورة التي تطبقها إدارة أوباما- تلزم الولايات المتحدة، وتربطها بالأعمال الخيرية، وجهود التنمية المجتمعية، التي سيكون مصيرها الفشل وفقدان الدعم الشعبي حتماً، كما هو حاصل حاليّاً، علاوة على أنها جهود غير ضرورية ولا تفيد في تحقيق أي من الأهداف الأخرى بالغة الأهمية في ذلك البلد. وإذا ما أخذنا حملة "مرجة" نموذجاً للتدليل على ذلك فسنجد أن تلك الحملة، على رغم نجاحها، إلا أنها لم تؤد إلى الاستقرار المرغوب، وهو ما تلقي الإدارة بالمسؤولية عنه على فشل كابول في تقديم حكومة فاعلة في "مرجة" أي حكومة جاهزة تتكون من شخصيات لديها القدرة على التعامل مع، وكسب ود، السكان المحليين، كان المفترض أن يتم تنصيبها في المدينة بمجرد إجلاء مقاتلي "طالبان" منها بالقوة المسلحة. وفشل الحكومة الأفغانية المركزية في تقديم حكومة جاهزة في "مرجة" ليس بالأمر الذي يدعو للدهشة أو القلق، ولكنه مع ذلك يظهر بوضوح الأسباب التي تجعل من حملة أوباما لمقاومة التمرد مجرد مجهود ضائع. وحتى لو نجحت كابول في تحسين الحياة السياسية والاقتصادية الأفغانية في المجمل، فإنها لن تتمكن من هزيمة "طالبان" و"القاعدة"، لأن المتعصبين الدينيين لا ينبتون من الفقر والحرمان، وإنما من أسباب أخرى بالطبع. ومن هنا، فإن تعصبهم لن يستجيب للعلاجات القائمة على تحسين الظروف الاقتصادية، أو إجراء انتخابات حرة. إننا بحاجة، بدلا من ذلك، إلى وجود عسكري دائم في أفغانستان مخصص تماماً لتلك العملية الشاقة التي لا تتوقف، والتي تسعى لسحق "طالبان" و"القاعدة"، على أن يكون ذلك الوجود مصحوباً بضغط عسكري باكستاني هناك أكبر مما هو قائم حاليّاً بدرجة كبيرة. إن هذا يعني عملا عسكريّاً مطولا، وليس مجرد خدمات اجتماعية، وهو شيء يبدو فريق أوباما غير راغب تماماً في تبنيه. والشيء البالغ الأهمية الآن هو أن يشرع الرئيس على الفور، وبشكل واضح لا لبس فيه، في التراجع عن تعهده بالانسحاب العام المقبل. فهذا التعهد، أفرغ استراتيجية زيادة عدد القوات في أفغانستان التي صاحبت ذلك التعهد من مزاياها، ويتسبب حتى لحظتنا الحالية في زرع بذور الشقاق بين نائب الرئيس ووزير الدفاع حول معناه. وما لا يقل عن ذلك أهمية هو أن يفهم مواطنونا دوافع تلك "الحرب الطويلة" ويوافقوا عليها. وأوباما يبدو مستوعباً لهذه المسائل كلها، ناهيك بالطبع عن استعداده لاتخاذ الخيارات الصحيحة، ولكن المشكلة تكمن في قصر الوقت. وإذا ما كانت هناك إمكانية لاستنقاذ النجاح من براثن الفشل في أفغانستان، فإن لحظة تصحيح المسار حانت الآن. -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"