أثناء زيارتي لها، تعرض الجنود الأميركيون هنا اليوم لهجوم ثان في منطقة الفلوجة، التي تعد قلعة ملتهبة لنشاط المقاومة المناوئة للاحتلال في هذا المثلث السني من البلاد· غير أن ما يقلق الشيخ خميس الحسناوي، وهو شيخ واحدة من أكبر قبائل المنطقة، ليس هو أن تبقى قوات الاحتلال الأميركية لفترة طويل مثلما يتخوف البعض، بل أن تضطر للانسحاب والرحيل بأسرع مما يتوقع العراقيون· وفي رأيه أنه فيما لو حدث ذلك، فإنها ستكون كارثة محققة، لأنه لحظتها سيأكل القوي الضعيف على حد قوله، بينما يبدأ العراقيون في قتل بعضهم بعضا في الشوارع· ولا بد أن أعترف وأنا أسمع هذا الكلام بكلتا أذني، بأن الفلوجة بالذات، هي آخر مناطق العراق التي كنت أتوقع فيها توسلات العراقيين للقوات الأميركية وإعلان رغبتهم الصريحة في بقائها·
ومما تكشفه مثل هذه التعابير من أحد كبار شيوخ القبائل في أكثر مناطق العراق عداء لوجود القوات الأميركية ونشاطا في مقاومتها، أن حقائق واقع عراق ما بعد الحرب، ليست كما تبدو لنا خادعة من على البعد· غير أن ما يثير الغضب فعلا ليس هو الغزو الأميركي، الذي اتفق كل من قابلته من العراقيين على أنه تحرير لهم من نظام قمعي بغيض، وإنما ضعف وبؤس أداء الولايات المتحدة الأميركية في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين· والشيخ الحسناوي نموذج لتلك الشخصية العراقية التي تجسد الشعائر الاجتماعية التقليدية القبلية، التي لطالما صارع الأميركيون في سبيل فهمها واستيعابها· فهو رجل مسن لماح وحاد البصيرة، وينم سلوكه عن خليط من مشاعر الترحيب والقلق في آن· وبصفته قائدا ورمزا لقبيلة بو عيسى ، فهو يعرب عن رأيه بوضوح قائلا: إنني لن أقبل من أي أحد كان أن يسيء إلى أهلي وعشيرتي·
والفلوجة هي نموذج على الصعوبة الحقيقية التي واجهتها القوات الأميركية في السيطرة على مجموعة صغيرة نسبيا من قوات المقاومة العراقية المسلحة· وقد اكتسبت هذه البلدة لنفسها سمعة كبيرة من باب أنها مدينة جامحة صعبة المراس، ومركزا لنشاط التهريب والمهربين· وقد حاول الأميركيون اللعب بالأوراق القبلية في هذا المثلث السني العصي، غير أنهم لم يحسنوا اللعب بعد· ومما زاد الطين بلة، أنهم فشلوا فشلا واضحا في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، مما أوقعهم في خطأ فادح في التعامل مع زعماء القبائل والعشائر· ولكي نورد أمثلة محددة لهذه الأخطاء، كان الشيخ الحسناوي نفسه قد تلقى عرضا سخيا جدا لبناء مدرسة محلية لتلاميذ المنطقة من جانب القوات الأميركية، ولكن ما حدث هو أنه طال انتظاره للمبلغ الذي وعد به لعدة أشهر دون أن يتسلم منه فلسا واحدا· ومنذ التاسع من شهر أبريل الماضي، بدأت علاقات القوات الأميركية الموجودة في العراق تسوء مع شيوخ وزعماء القبائل والعشائر· كان ذلك اليوم هو تاريخ تحطم وانهيار تمثال صدام حسين على يد الجيوش الأميركية· ولكنه كان أيضا اليوم الذي أسقطت فيه إحدى الطائرات ستا من القنابل الموجهة الدقيقة التهديف على منزل أحد زعماء العشائر، هو منزل الشيخ مالك خربيط الواقع قريبا من بلدة الرمادي· وكانت لدى القوات الأميركية كما هو واضح، معلومات استخباراتية تفيد عن وجود الأخ غير الشقيق لصدام حسين -برزان التكريتي- في الموقع المذكور· ولكن تكشف بعد ذلك أن المعلومات الاستخباراتية لم تكن دقيقة، وأن القنابل التي أصابت المنزل، أردت الشيخ خربيط قتيلا، ومعه عدد آخر من أفراد عائلته· وكان ذلك خطأ فادحا وباهظ الثمن، إذ كان الشيخ خربيط نجلا لزعيم قبيلة جربا القوي النفوذ، والذي كان حليفا سريا للأردن· فقد سبق له أن قدم دعما سريا لتلك المحاولة الانقلابية التي دبرتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية ضد صدام حسين عام ·1996
وما أن برزت الفلوجة باعتبارها مركزا لنشاط المقاومة العراقية المسلحة في يونيو الماضي، حتى بادر القادة العسكريون الأميركيون في المنطقة إلى تنظيم اللقاءات والاجتماعات الدورية مع زعماء وشيوخ العشائر في المنطقة· ضمن ذلك قاموا أيضا بتوزيع بطاقات كبار الشخصيات على كل من الشيخ الحسناوي وغيره من كبار قادة وشيوخ المنطقة· ووصل التفاهم بين الجانبين حدا وافق فيه القادة العسكريون الأميركيون على دفع أموال الدية عن أولئك المواطنين العراقيين الذين قتلوا خطأ بسلاح القوات الأميركية· وأقام الحسناوي مأدبة غداء فخمة في منزله للضباط الأميركيين، ذبح لهم فيها ثمانية خرفان· وما أن أطلت شمس اليوم التالي حتى علقت صور كبيرة في المدينة تلعنه وتصفه بأنه جاسوس للأميركيين· ولكن الحسناوي قال إنه تجاهل كل التهديدات التي وجهت إليه·
لكن وعلى رغم الجهود التي بذلها القادة العسكريون لاستقطاب زعماء العشائر والقادة المحليين، إلا أن القوات الأميركية قد وقعت في فخ دائرة شريرة من العنف الدموي تماما كما أرادت لها قوات المقاومة المسلحة· ونتيجة لذلك وبسببه، فقد ارتكبت القوات الأميركية أخطاء فادحة مثل قتلها مؤخرا لثمانية من أفراد الشرطة العراقية· كما واصلت القوات إطلاق نيرانها على أفرا