لا أملُّ ولا أكلُّ من الاطلاع على كل ما يخص إقليمنا الخليجي من ناحية مستقبله المائي، وفي هذه الصحيفة الغراء خاصةً لطالما أشرت إلى الخوف الذي يداهم الكثيرين كلما سمعوا أو قرؤوا عن واقع المياه الذي يعيشه خليجنا الطيب، وهو واقعٌ مؤلم توضحه الأرقام الأخيرة التي تُنشر من مراكز أبحاث، وعليه فإن الرصيد -إن كان هناك رصيد- بدأ في الزوال ليترك للأجيال القادمة العطش والفقر المائي، وهذان مصطلحان يعنيان في علوم التحضر والحضارة العدم والاختفاء وزوال ما سبق وبُني وشُيد. عندما تتخبط ميزانيات بلد ما فإن أمامها طرق طلب الإنقاذ المالي عبر القروض الداخلية والدولية، وهو حلٌ في الإمكان عمله على رغم ثمنه الباهظ، ولكن عندما يعرف السكان ألا قطرة ماء شفة تنقذهم من هلاك العطش، وأن الإنسان -وليست المشاريع- هو في طور التحلل والموت، عندها تحل الكوارث وينفلت زمام كل شيء. أين يكمن ساعتها المخرج؟ ومن هو البنك المائي الذي يُقرض الدول والمجتمعات ماءً ينقذ البشر والحيوان والزرع وكل شواهد الحضارة الأخرى؟ قبل مواصلة صراخ النجدة المائية إليكم هذه الحقائق التي تم الكشف عنها مؤخراً: الفرد في المملكة العربية السعودية يستهلك ما معدله 290 لتر مياه في اليوم الواحد، وهو بهذا المعدل يحتل المرتبة الثالثة عالميّاً بعد أميركا وكندا، ويأتي قبل كل الدول التي تصب أو تمر بها الأنهار، أعلى من السويد والنمسا وسويسرا ونيوزلندا والبرازيل وتركيا.. الخ! من أين تأتي شجاعة التبذير المائي لدى السعودي؟ من آبار المياه التي تكاد تجف، أم من محطات التحلية التي فات عمرها الافتراضي، أم من مياه الأمطار التي يأتي كرمها سنة وتبخل عقوداً؟! في ربع قرن انخفضت -حسب ما أوردته الصحف السعودية وكُتاب مقالاتها- مقادير المياه المتجددة، فقط في ربع قرن، بمعدل تجاوز 60 في المئة عما كان قبل ذلك التاريخ، وهذا بسبب التوسع غير الرشيد في الزراعة والصناعة المعتمدة على المياه مثل مشاريع الألبان، والمملكة في حاجة حسب هذا المنوال الاستهلاكي للمياه إلى 28 مليار متر مكعب في عام 2020، أي بعد عشر سنوات فقط، ومحطات التحلية في المملكة لا تستطيع أن توفر إلا حوالي مليار متر مكعب من المياه سنويّاً في أحسن الحالات.. من أين يمكن تدبير سد الفجوة المائية والأمر هكذا؟ منطقة الخليج عموماً واجهت عجزاً مائيّاً وصل إلى 15 مليار متر مكعب في سنة 2000، ويتوقع حسب ما يذكره الخبير الاقتصادي عبدالحميد العمري أن يبلغ هذا العجز إلى 31 مليار متر مكعب في عام 2025. بعد المملكة العربية السعودية ماذا عن دولة الإمارات العربية المتحدة؟ تقول التقارير الإخبارية إن الدولة ستواجه حقيقة نفاد المياه الجوفية خلال 50 سنة القادمة. الفرد في أبوظبي -كمثال- يستهلك 250 لتراً من الماء يوميّاً، والمتوسط العالمي يتراوح بين 180 و 200 لتر فقط، والزراعة في دول الخليج عموماً تتخذ طرق فتح المياه لغمر البساتين وهذه أساليب ري يرجع تاريخها إلى ألف عام مضت، وفي الغالب فإن أكثر بساتين النخيل في الخليج لا يُعتمد عليها كمصدر دخل لأصحابها. هذه الأرقام غيضٌ من فيض، والسؤال الأهم: إلى أين نحن سائرون؟ وكيف العمل لإنقاذ ما تبقى من مخزون المياه غير المتجددة والشحيحة؟ الشواهد كلها تؤكد أن أزمة مياه كبرى ستشهدها مجتمعاتنا الخليجية، فالماء عصب الحياة والحضارة، ولا يمكن تخيل الدول والأقاليم والشعوب بشراً وثقافةً -بنوعيها- بدون هذا السائل الرخيص الغالي! إن كانت مصر والسودان بمليارات أمتارهما المكعبة من المياه التي تشق أراضيها يوميّاً، تشهدان استنفاراً حكوميّاً عالي المستوى، للرد عمليّاً على الاتفاقية الجديدة لدول منبع وحوض النيل، حتى وهاتان الدولتان العربيتان لا يهددهما العطش مثل إقليمنا الخليجي، إن كانت هاتان الدولتان تفعلان ما تفعلانه، فكيف نفسر هذه الحالة من الاسـترخاء على المستوى الشعبي والحكومي الخليجي تجاه خطر يهدد كل ما بنته دول الخليج من قبل، بل ويهدد الأمة الخليجية في كينونتها ومصائرها؟ في العراق بلد النهرين العظيمين وأرض السواد تُرى قوافل المهاجرين من محافظة ديالي بسبب الجفاف وقلة المياه؛ ماذا نقول وصحراؤنا القاحلة تحيطنا من كل جانب، ومعها الجفاف الذي لا يقاس بجفاف العراق؟ في تلك الأسئلة تكمن الإجابة، وهي بلاشك إجابات تُدمي القلوب وتذهب بما بقي في العقول التي تحسب كم بقي من مليار مائي يمكن أن يُستخرج قبل أن تشهد الأجيال القادمة نهاية الفيلم الدرامي المائي؟ إن نحن أدركنا حجم المشكلة الكبرى التي ظهرت ملامحها الأولية هذه الأيام، التي يمكن أن يكتمل إطارها المأساوي -للأسف- في المستقبل العاجل، إن نحن أدركنا هذا أمكننا الإقدام على تحركنا المفترض التالي، وإن نحن نظرنا إلى مسألة المياه والعطش على أنها مبالغات خبراء وفزع مُفتعل، وأن المال قادرٌ على حل كل المشاكل فتلك علامة على الاقتراب السريع من النهايات المؤلمة. لنفترض هنا أننا أخذنا بالاتجاه الأول الذي يحدد بدقة ويعترف بحجم أزمة المياه في منطقتنا، هذا سيعني أن الاجتماعات الأهم لوزراء دول مجلس التعاون الخليجي لابد أن تكون من نصيب وزراء المياه، ويأتي بعدها بكثير كل اجتماعات الوزراء الآخرين، الدفاع والأمن والمال والإعلام والرياضة... الخ. لن تجد شيئاً يمكن الدفاع عنه ولا حمايته ولا صرف الأموال عليه إن كشر العطش عن أنيابه وفزع الناس من واقعهم، لابد أن يُشكل وزراء الماء في مجلس التعاون خلية أزمة تحدد المشكلة بدقة وتعطي وصفاً للحاضر، وترسم خططاً مستقبلية آنية وبعيدة، علينا كمثال: الإيقاف الفوري وغير المتردد والذي لا يعطي استثناءً لزراعة الحبوب والأعلاف التي كلفتنا نفاد مخزون مياه الأجيال القادمة إلى جانب التكلفة المالية العالية، فلقد كلف كيلو القمح المدعوم بعض حكوماتنا الخليجية خمسة ريالات، وهو يباع في الأسواق العالمية بأقل من نصف ريال، وفي الثلاثين عاماً الماضية استنفد قطاع الزراعة ما جمعته أرضنا من مياه أثناء العصور المطيرة لمدة آلاف السنين فآخر التقارير تقول: إن إنتاج كيلو جرام واحد من القمح المحلي يستهلك أكثر من 1800 لتر من الماء، أي استهلاك عشرات الآدميين حسب المعدل العالمي. أما مشاريع الألبان فإن إيقاف إعطاء تصاريح جديدة هو الحل الأمثل، إلى جانب الطلب من المشاريع القائمة عمل دراسات وبحوث وتطبيقات للتخفيف من استهلاك المياه ابتداءً من ري الأعلاف وسقيا البقر السمان، وحتى يصل إلى إنتاج قارورة الحليب أو اللبن الرائب، فآخر الدراسات تشير إلى أن لتر الحليب الواحد (يزهق) روح 400 لتر مياه صافية وبأشكال استهلاك متعددة، وهذه المياه كان يجب أن تُخصص لري عطش السكان وليس تعظيم مداخيل شركاتنا الوطنية. مياه المنازل والمصانع والشركات والوزارات يجب إعادة تدويرها واستخدامها عبر وسائل التقنية عالية الجودة، ليتم استخدامها مرة أخرى إلى درجة شرب مياهها المنتقاة والتي تخلو من أي ميكروب مثلما تفعل بلدان أخرى تستمتع بالأنهار والجداول والينابيع. هناك طرق مختلفة لإنقاذ شواهد حضارتنا في الخليج، وقبل ذلك لإنقاذ الإنسان من عطشٍ محتم لو استمرت الأمور على ما هي عليه من إسراف وتبذير لأعلى وأندر سلعة على وجه الأرض. الحقائق والأرقام لا تكذب في التحذير من خطر العطش الخليجي القادم، لنقرأ مرة أخرى ما ورد في هذا المقال ونقرأ مما تورده الأبحاث المنشورة، وبعد ذلك علينا أن نعمل على ألا يقع المحظور، وإن وقع بدون أن نفعل شيئاً فعلينا أن نذهب إلى بلاد الأنهار أو نهاجر أو نموت مستسلمين لأقدارنا التي كان أكثرها من فعل أيدينا.. وعقولنا!