قبل وقت ليس بالبعيد كان الحمل عملية طبيعية روتينية، وجزءاً أساسيّاً من حياة معظم النساء، يستمتع به الزوجان في أثناء انتظارهما لمولودهما الجديد. وهذا الإحساس الجميل تغير إلى حد كبير، وأصبحت حالات القلق والخوف جزءاً لا يستهان به من المشاعر التي تنتاب الزوجين خلال فترة الحمل، على رغم أن العقود الأخيرة شهدت انخفاضاً هائلا وغير مسبوق، في عدد وفيات الأمهات الناتجة عن الحمل والولادة، وفي عدد الوفيات بين الأطفال حديثي الولادة. ويعود هذا القلق والخوف إلى سببين رئيسيين؛ الأول هو زيادة ثقافة ووعي الأزواج بمخاطر الحمل والولادة، ضمن الانتشار الواسع للثقافة الطبية والوعي الصحي بين العامة، مقارنة بالأجيال السابقة. أما السبب الثاني، فهو التدفق المستمر للنصائح الطبية للمرأة الحامل، من قبل أفراد المجتمع الطبي، وهي النصائح التي أحياناً ما تكون متعارضة، أو غير مؤكدة، أو مشكوكاً حتى في جدواها. ولنأخذ على سبيل المثال النصيحة التي صدرت هذا الأسبوع، من علماء معهد صحة الطفل التابع لجامعة "يونيفرستي كولج لندن" إحدى أعرق الجامعات البريطانية وأكثرها شهرة، التي تؤكد ضرورة تناول جميع النساء الحوامل لجرعة يومية من فيتامين (د) أثناء الحمل. هذا على رغم أن المعهد الوطني للصحة والتميز الإكلينيكي (National Institute of Health and Clinical Excellence)، أعلى جهة طبية علمية في بريطانيا، لا يدعم الاعتماد على المضافات الغذائية ضمن توصياته المتعلقة بالتغذية أثناء الحمل، بل يكتفى فقط بالإشارة إلى أن النساء الحوامل يجب أن يكن على دراية بأهمية حصولهن على كميات كافية من فيتامين (د) أثناء الحمل والرضاعة، مع ترك الباب مفتوحاً لمن يرغبن منهن في تناول احتياجاتهن من هذا الفيتامين عن طريق كبسولات أو حبوب. هذه السياسة الصحية العامة، عارضها علماء "يونيفرستي كولج لندن"، بناء على أن بريطانيا هي الوحيدة من بين 31 دولة، التي لا توصي بتناول جرعات من فيتامين (د) للنساء في سن الإنجاب، ولا أثناء الحمل والرضاعة. ويرى هؤلاء العلماء أن توصيات دائرة الصحة البريطانية -وهي جهة صحية أخرى- الناصة على ضرورة حصول المرأة الحامل على عشرة ميكروجرامات يوميّاً من فيتامين (د)، هي في الحقيقة دعم مباشر لتناول كبسولات الفيتامين أثناء الحمل، وخصوصاً في ظل صعوبة الحصول على هذه الجرعة من خلال السبل الطبيعية، مثل الغذاء، والتعرض لأشعة الشمس. فمن المعروف أن قليلاً جداً من الأغذية يحتوي على كميات كافية من فيتامين (د)، ولذا يظل التعرض لأشعة الشمس المباشرة هو الطريقة الأساسية للحصول على هذا الفيتامين. ولكن في الدول الأوروبية، التي تغيب فيها الشمس وراء السحب الكثيفة لفترات طويلة من العام، يصبح الحصول على احتياجات الجسم من فيتامين (د) أمراً صعب المنال. وحتى في دول منطقة الشرق الأوسط، التي تسطع فيها أشعة الشمس معظم أيام السنة، تفرض عادات وتقاليد لبس النساء تغطية معظم أجزاء الجسم، بما في ذلك الوجه والكفان أحياناً، ويتجنب الجميع رجالا ونساء أشعة الشمس القوية قدر استطاعتهم، نتيجة لحرارة الجو وارتفاع معدلات الرطوبة. وهو ما أدى إلى انتشار وباء صامت من نقص فيتامين (د) بين سكان المنطقة، يتجلى في ارتفاع معدلات الإصابة بلين العظام وهشاشتها بين الرجال والنساء، والإصابة بالكساح وتشوه العظام بين الأطفال. وبالفعل أظهرت الدراسات التي أجريت داخل الدولة مؤخراً، تعرض 60 في المئة من النساء، و65 في المئة من الرجال، لدرجة من درجات نقص فيتامين (د). وهذا الواقع، المتمثل في انتشار نقص فيتامين (د) محليّاً، يضع حدّاً للجدل الدائر حول ضرورة تناول مضافات فيتامين (د) للحوامل وغير الحوامل، ولجزء كبير من الرجال والنساء في المجتمعات المحلية. ولكن تضارب النصائح الطبية لا يتوقف عند هذا الفيتامين، بل نجده يمتد أيضاً إلى مضافات غذائية أخرى، مثل حمض الفوليك أو فيتامين (ب 9)، وهو فيتامين مهم للأطفال والبالغين لإنتاج كرات دم حمراء سليمة، وللوقاية من نوع خاص من الأنيميا. ويؤدي نقص حمض الفوليك في فترة ما قبل الحمل، وفي الأسابيع الأولى من الحمل، إلى زيادة احتمالات الولادة المبكرة، أو ولادة طفل ناقص الوزن، بالإضافة إلى احتمال عدم اكتمال نمو العمود الفقري والحبل الشوكي لدى الجنين، أو ما يعرف بانشقاق الحبل الشوكي. وتسعى حاليّاً بعض الدول لسد النقص في فيتامين (ب 9) بين سكانها، من خلال إضافته لحبوب الإفطار، كرقائق الذرة أو "الكورن فليكس"، وفي الخبز، والدقيق، أو الطحين. وهذا الإجراء على بساطته، يخشى البعض أن يطمس أعراض وعلامات نقص فيتامين آخر، هو فيتامين (ب 12) . فعند إضافة (ب 9)، ستختفي معظم أعراض نقص فيتامين (ب 12)، ولكن ستظل الاضطرابات العصبية الناتجة عنه، لتتحول حينها إلى تلف عصبي دائم. وفي ظل هذا التعارض، يعاني المجتمع الطبي الدولي من حيرة بالغة، بين اختيار إضافة فيتامين (ب 9) في الغذاء لحماية الأطفال والحوامل من مضاعفات نقص هذا الفيتامين، أو عدم إضافته لمنع طمس أعراض نقص فيتامين (ب 12). وإن كان حل هذه المعضلة بالنسبة للحوامل بسيطاً نسبيّاً، حيث أصبح من الممارسات الروتينية وصف مضافات من فيتامين (ب 9) لجميع النساء الحوامل. وإن كانت لا زالت هناك معضلات أخرى متعلقة بتغذية المرأة الحامل، لم يجد الأطباء بعد حلا سهلا ومباشراً لها، وهو ما يسبب الكثير من الحيرة والقلق لبعض الأزواج في فترة انتظارهم لمولودهم الجديد. د. أكمل عبد الحكيم