تساءلت في هذه المساحة الأسبوع الماضي: "أين العرب في النظام الإقليمي الجديد؟"، وجاء تعقيب من القارئ عبدالله سعيد من الدوحة بأن الإجابة على سؤالي صعبة "بحكم حالة الغياب المطبق للدور العربي الجماعي في تسيير الشأن الإقليمي، وأيضاً لانعدام مشروع عربي مشترك ذي ملامح موحدة وواضحة بحيث يمكن وضعه في مواجهة المشروعات الإقليمية الأخرى غير العربية. والحقيقة أن غياب هذا الدور العربي المشترك هو السبب الأول والأخير في تمكن الأطراف الإقليمية الأخرى من التدخل في قضايا الوطن العربي الداخلية" وهو تحليل صحيح وصائب. وأود أن أضيف أن الغياب والاستقالة العربية من العمل والتخطيط الجماعي، تترك للأطراف غير العربية التحكم وتقرير مصير المنطقة سواء في مسار ومآل السلام أو الحرب. وفي هذا الوقت تصل الحال في بعض دولنا لأن توصف في المصطلحات السياسية الجديدة بأنها "دول فاشلة" أو "دول هشة" ودول مسجاة على طاولة التشريح والتفكيك والتقسيم والتشظِّي سياسيّاً واجتماعيّاً وعرقيّاً واثنيّاً. وهناك الأوضاع الحاضرة والمؤلمة التي تذكرنا كعرب بعجزنا وقلة حيلتنا في التصدي لمشاكلنا والصدع الكبير الذي يطال أكثر من دولة عربية. فأوضاع دول مثل الصومال والسودان واليمن والعراق ولبنان تذكرنا جميعاً بالحالة العربية الصعبة. وفي هذا الوقت وبدلاً من تداعي العرب لحل الخلافات البينية بين دولنا، وبدلاً من مساعدة بعض دولنا التي تغرق في أتون الحروب والتصدع والتشرذم الداخلي، نلجأ في النظام العربي إلى ترف التفكير والتخطيط لتحويل الجامعة العربية -بيت العرب منذ ستة عقود- إلى اتحاد عربي على غرار الاتحاد الأوروبي، فيما الأولوية مثلاً هي لمساعدة الدول العربية المتعثرة، وتطوير البنية التحتية، وإيجاد فرص عمل وحل الخلافات العربية- العربية التي لا تزال تبقي الحدود بين بعض دول جامعتنا العربية مغلقة منذ سنوات طويلة مثل الحدود المغربية- الجزائرية التي أُضيف إليها مع مطلع هذا الشهر إغلاق الحدود بين السودان وليبيا. ولا أدل على الحالة الصعبة التي وصلت إليها الأوضاع العربية من تباين وجهات النظر في القمة المصغرة التي عُقدت في ليبيا وحضرها زعماء مصر وليبيا واليمن والعراق وقطر لمناقشة تطوير العمل العربي المشترك. وكالعادة انقسم العرب حتى لو كانوا خمسة، والاختلاف كان بين وجهتي نظر: الأولى تطالب بإحداث تعديل جذري وشامل وبوتيرة سريعة على العمل العربي لإقامة اتحاد عربي، والاتفاق على ميثاق جديد تنفذ عناصره في إطار زمني محدد. بينما وجهة النظر الثانية تتبنى منهج التطوير التدريجي والإبقاء على مسمى الجامعة العربية في المرحلة الحالية، وإرجاء بحث إقامة الاتحاد حتى تنفيذ خطوات التطوير المطلوبة وتقييمها. والسؤال الكبير: هل تغيير المسمى والشكل سيغير الجوهر والمضمون؟ وكأن اقتراح عقد قمتين عربيتين في السنة سيحل المشاكل العربية ويقيم المشروع العربي الغائب! كيف يمكن الحديث عن اتحاد وكيان عربي جامع بينما أكثر من دولة عربية جل همها وأولويتها البقاء متماسكة وموحدة! وكل دولة من الدول الخمس التي شاركت في القمة المصغرة تعاني حالات تعكس الحالة العربية الصعبة. فمصر تمر بأوضاع صعبة ومعقدة في الداخل والخارج أدت لتعطيل دورها القيادي. وليبيا تفضل الفضاء الأفريقي على العربي على رغم ترؤسها للقمة العربية. والعراق واليمن دولتان مصنفتان بالفشل مع مخاوف من تشظيهما. وقطر الطموحة على رغم قدراتها ونشاطها الدبلوماسي وقوتها الناعمة المميزة ووساطتها المتعددة واستثماراتها المتنوعة، إلا أن قطر ودول الخليج الأخرى على رغم نجاحها وإمكانياتها الكبيرة، تدرك معضلة الحجم الجغرافي ومحدودية الديموغرافيا. وهناك سوريا التي تمر في مرحلة حسم لموقفها في سياسة الأحلاف. ومكانها الطبيعي يبقى في المشروع العربي لإحياء مثلث المشرق العربي الذي يُؤمل أن يُضاف إليه عراق غير العراق الحالي -عراق موحد ومتصالح مع نفسه ومع جيرانه ليكون رصيداً استراتيجيّاً للمشروع العربي الذي طال انتظاره. وحدها دول مجلس التعاون الخليجي على رغم بعض التباين بسبب اختلاف الرؤى الذي يبرز بين الحين والآخر بين مكونات وحداته الست، ومع الاحتفال العام القادم بالذكرى الثلاثين لقيامه كأنجح تجمع عربي، يبقى هو النموذج الأقرب إلى النجاح من بين المكونات الجغرافية للعالم العربي. وخاصة مع حضور المملكة العربية السعودية ممثل العرب الوحيد في مجموعة الدول الصاعدة أي تجمع G-20 لأكبر اقتصادات العالم، الذي اختتم أعماله في كندا الأسبوع الماضي.