أثار كتابي الأخير "أعلام الفكر العربي المعاصر" ردود فعل واسعة في الوسط الثقافي والإعلامي العربي بخصوص معايير انتقاء 33 اسماً فقط من بين الأسماء الكثيرة التي تعج بها الخريطة الفكرية العربية. تساءل أحدهم متهكماً من الحالة الثقافية العربية:"إذن...هذه الضجة كلها التي ملأت الدنيا ليست أكثر من ثلاثين شخصاً؟". واستغرب آخر من كون الكتاب لم يترجم لمن دون السبعين، واندهش آخرون من تغييب أسماء مشهورة في عالم الأدب والصحافة والدراسات الاجتماعية والسياسية، في حين انتقد البعض تغييب ساحات عربية محددة لم يرد ذكر أعلامها الثقافيين. ليس من همنا هنا الرد على هذه الاعتراضات والاستدراكات، وإنما حسبنا الإشارة إلى أنها تعبر عن بعض جوانب الإشكالية المحورية الراهنة المتعلقة بمفهوم "المفكر العربي" ومنزلته ودوره في الرهان الثقافي والمجتمعي. ولنؤكد هنا على أن عبارة "مفكر" التي يكثر استخدامها عربياً، لا تكاد تستعمل خارج السياق العربي.فالعبارة مستمدة – كما هو معروف – من عصر الأنوار الأوروبي، وقد عنت في الأصل نموذجاً جديداً من الفاعلين الثقافيين خرج من عباءة الفلسفة، لكنه تميز بسمتين بارزتين هما: تغيير قبلة الهم الفلسفي من موضوعات الوجود والمعرفة إلى الرهانات المجتمعية القائمة، والانخراط العملي في قضايا الساعة وتخويل رجل الفكر دوراً تغييرياً ملتزماً. ويرمز الفيلسوف الفرنسي الأشهر "فولتير" إلى هذا النموذج، وتشكل روايته "كانديد"(أي الساذج) النص – الشهادة لميلاد هذا النموذج .ففي الرواية المذكورة ، يسخر "فولتير" من اصطلاحات الميتافيزيقا ومن النزعة التفاؤلية الفلسفية التقليدية، ويخلص في عمله إلى التعبير بلسان بطله عن التوجه الجديد للمفكر بالقولة الشهيرة :"كلما أعرف هو أن علينا أن نفلح حديقتنا". وعلى هذا الأساس، ندرك أن الجماهير الثائرة التي اقتحمت سجن الباستيل يوم 14 يوليو 1789 كانت تهتف بأعلى أصواتها :"لقد سقطت في الأرض وتمرغ انفي في الوحل...أنه خطأ فولتير وخطأ روسو". ومع أن عبارة "مفكر" لم تخل من نفور صريح من الفلسفة ، إلا أن الحقيقة هي أن المفكر هو نمط من الفيلسوف يتناسب والتحول النوعي التي عرفه مسار الفلسفة في العصور الحديثة التي تحولت إلى "تشخيص للحاضر" واستبطان للعلوم التجريبية وارتياد لقارة التاريخ التي هي الأفق التأويلي الأوسع للعلوم الإنسانية. وقد غابت تدريجياً مقولة "المفكر" التي عوضت بنموذج جديد برز في القرن التاسع عشر (في سياق قضية درايفوس المعروفة) هو نموذج "المثقف". والفرق بين العبارتين يتحدد في نقطة محورية هي أن المثقف لا يكتفي بتحويل الفلسفة إلى المباحث الطبيعية والاجتماعية، بل يحول الفكر إلى نشاط إيديولوجي وإلى التزام بقضايا إنسانية كبرى، ولذا ارتبط مفهوم المثقف برهانات ثلاثة كبرى: الوقوف ضد التمييز الديني والعرقي، ودعم نضال الطبقة العمالية في مواجهة الاستغلال، ومؤازرة حركات المقاومة الوطنية ضد الاستعمار. في هذا الأفق نشأ نموذج "المثقف العضوي" حسب عبارة الفيلسوف الإيطالي "غرامشي"، وهو المثقف الذي يؤدي دور "موجه الوعي" في الصراع الاجتماعي، فيمارس "الصراع الطبقي" في الممارسة النظرية. ولقد اعتبر "غرامشي" أن البشر كلهم يمتلكون مقومات التفلسف الذي يستمد من منابع اللغة والدين والمعتقدات الجماعية، والفرق الوحيد بينهم هو مدى التزامهم بقضايا التحرر والمساواة. ومن الواضح أن مفهوم "المثقف" تحول تدريجياً في الساحة الغربية إلى صورة "الكاتب اليساري"، مما رمز له بقوة الفيلسوف والأديب الفرنسي "جان بول سارتر"، إلى حد انتشار مقولة :"إنه من الأفضل أن نخطئ مع سارتر من أن نصيب مع ريمون آرون"(آرون كاتب فرنسي من اليمين). ومن الواضح، أن مفهوم "المفكر" بالمعنى العربي هو خليط من مفهومي المفكر والمثقف، حتى ولو كانت العبارة تستخدم غالباً للمحاباة ودون أي تدقيق أو تمحيص. لعل رواد النهضة الأوائل من نوع "الأفغاني" و"محمد عبده" و"محمد إقبال" كانوا أقرب لنموذج مفكري التنوير، في حين أن الكتاب المعاصرين الذين ينحدر أغلبهم من مدرسة "اليسار" أقرب لصورة "المثقف"، كما أن بعض الباحثين في قضايا التأويل والتراث أقرب لمفهوم "المثقف الخصوصي" (حسب عبارة فوكو)، أي الباحث الذي يمارس نشاطه الفكري داخل حقل إنساني متخصص من منظور الأشكلة النقدية. ومع تمسكي شخصياً بمقولة "المفكر" الرائجة، إلا أنني اعتمدت معايير ثلاثة لتمييزه عن عموم الفاعلين الثقافيين: - القدرة على إبداع المفاهيم والنماذج النظرية والتحليلية الخصبة. - الخروج من التخصص الضيق وبالتالي التأثير الأوسع في المجالات المعرفية المتعددة والاتجاهات الإيديولوجية المتنوعة. - توفر مشروع مجتمعي متكامل له قاعدة فكرية رصينة تخرجه من حيز الدعاية المباشرة والتأليف الأكاديمي. من هذا المنظور، يمكن أن نبرر إقصاء عدد من النقاد الأدبيين والمشتغلين بالمباحث الفلسفية والاجتماعية، الذين قد تكون لهم إسهامات فكرية مهمة لكنهم لا يستجيبون لهذه المعايير التصنيفية الدقيقة التي اعتمدناها في معجم المفكرين العرب. انهار مفهوم "المفكر" غربياً بعد انحسار عصور التنوير ومراجعة الأطروحات المؤسسة لها كالعقلانية النسقية والتاريخانية الغائية والتبشير الوضعي بالعلوم التجريبية ...وانهار نموذج "المثقف" بانهيار الطبقة العمالية واندثار الأيدولوجيا الماركسية. كتب "ليوتار" قبل سنوات كتابه "قبر المثقف" معتبراً أن المثقف انتهى ما دام لم يعد بإمكانه أن يتماهى مع "ذات ضحية" تحمل قيمة كونية (مثل البروليتاريا). وبعده بسنوات كتب "رجيس دوبريه" كتابه "المثقف الفرنسي: الحلقة الأخيرة" مبيناً أن المثقف الأصلي تابع تقليد فلاسفة الأنوار في تحويلهم العقل إلى شأن عمومي مشترك وفي نسجهم لروابط وثيقة بين المعرفة والرأي العام. أما المثقف الراهن، فأنه لم يعد يتحكم في وسائل الإعلام التي تفرض شروطها في صناعة الثقافة وتحتكر التأثير على الناس، فلا يبقى لرجل الفكر سوى تمجيد "أوهام الصورة" وحراسة "الوضع القائم"، وبذا يتنكر لمسؤوليته النقدية.(للموضوع صلة).