"عندما يجد الرجل ذو الشخصية القوية نفسه في أزمة يعتمد عادة على ذاته، ويفرض طابعه في العمل ويتحمل المسؤولية عن ذلك" كان هذا ما قاله ذات يوم الرئيس الفرنسي الراحل "شارل ديجول" وهو رجل عركته الأحداث الجسام، ومر بالعديد من الأزمات، ويعرف الكثير عن إدارتها ومجابهتها. وقد مررنا نحن في أميركا تواً بأزمة أثارها مقال كتب في مجلة" رولنج ستون" أدت إلى تغيير القيادة العسكرية الأميركية في أفغانستان. وقد كشفت تلك الأزمة عن خصال وصفات لثلاث شخصيات رئيسية ساهمت فيها بشكل مباشر هم: أوباما، وماكريستال، وبيترايوس. وهي في العموم صفات وخصال إيجابية إلى حد كبير، وإلى درجة لم أتوقعها أنا شخصيّاً، عندما انفجرت تلك الأزمة، أو عندما تصاعدت تداعياتها. فقد كان أوباما محوطا بالمشكلات من كل صوب وحدب، وكانت وطأة تلك المشكلات تزداد بسبب عوامل عدة منها على سبيل المثال عجزه عن إيقاف التسرب النفطي في خليج المكسيك، وعن التعامل مع الملف النووي الإيراني، وغير ذلك من العوامل.. ولكنه، مع هذا، خرج من الأزمة الأخيرة نشيطاً وحاسماً أو كما نقول نحن "رئاسيّاً" بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. فهو لم يسمح لحالة التشوش والاضطراب التي حدثت بعد نشر تصريحات ماكريستال وأركانه في "رولنج ستون" بأن تتحول إلى دراما متعددة الفصول، كما فعل هو نفسه فيما يتعلق باستراتيجية أفغانستان في الخريف الماضي، التي طالت أكثر مما ينبغي. ففي هذه المرة، لم يتردد أوباما، وقرر أن ما كريستال لابد أن يغادر، وخلال يوم واحد فقط كان الرجل قد خرج من الخدمة بالفعل. وكان أوباما أيضاً ذكيّاً للغاية عندما قرر إحلال بيترايوس، وهو أفضل جنرال في أميركا في الوقت الراهن، مكان ماكريستال، وقد ضمن هذا ضمن عدم حدوث تأثير يذكر على العمليات في أفغانستان. وكانت هذه خطوة غير تقليدية، وأوباما يستحق الإشادة لأنه قام بها. وفي سياق ذلك، تجاهل أوباما النصيحة التي قدمها له بعض الخبراء، باستغلال هذا الفرصة لإجراء مراجعة على استراتيجيته في أفغانستان. وقام بدلا من ذلك بتأكيد دعمه الثابت للاستراتيجية، التي وضعها في ديسمبر الماضي، بصرف النظر عن كل الانتقادات حول الطريقة، التي تتم بها معالجة موضوع مكافحة التمرد، وكيف أن ذلك الأسلوب قد فشل، على رغم أنه لم تتم تجربته سوى بشكل محدود للغاية. وقد لخص صديق "جمهوري" في "كابيتول هيل" هذا الموضوع بطريقة جيدة للغاية، وذلك في رسالة بالبريد الإلكتروني يقول فيها: "لقد كان ذلك هو أحسن ما فعله أوباما بشأن تلك الحرب... ونأمل ألا نضطر للانتظار لستة شهور كاملة حتى يتحدث عن الحرب. واختيار أوباما للجنرال بيترايوس يقدم في رأيي إشارة واضحة على أنه هو الذي يشرف على موضوع مكافحة التمرد، وليس بايدن، وهذه في حد ذاتها إشارة طيبة". أما بيترايوس فقد كنت أعرفه قبل التطورات الأخيرة، وكان لي فيه رأي جيد للغاية. بيد أن تقديري له ازداد بعدها إلى أقصى حد، لأنه وافق على القبول بمنصب أقل من المنصب الذي كان يشغله، حيث انتقل من قائد القيادة المركزية الأميركية إلى قيادة إقليمية في منطقة من ضمن المناطق التي كانت تشرف عليها القيادة المركزية، أي أنه وافق على أن ينتقل من منصب كان رئيساً فيه لماكريستال إلى منصب أصبح فيه بديلا له كما يتوقع أن يخدم فيه لمدة أطول بعيداً عن أرض الوطن. ويصعب تصور كون بيترايوس يمكن أن يحقق أي مكسب شخصي من التعيين الأخير، بل الحقيقة هي أنه، وهو الذي يعتبر أفضل جنرال في جيله، قد يتعرض لتلطيخ سمعته كصانع للمعجزات، إذا لم يتمكن من تحويل الأمور في أفغانستان إلى النقيض كما فعل في العراق. وليس من شك في أن أي مستشار وظيفي كان سينصح بيترايوس إذا ما كان قد لجأ إليه، بأن يتغاضى عن هذه الوظيفة ويتركها لأي جنرال آخر كي يتحمل مسؤوليتها، ويتعرض بالتالي لاحتمالات الفشل. ولكن الرجل لم يتردد لحظة واحدة، وألقى بنفسه في أتون المعركة... لماذا؟ اعتقادي الشخصي أنه يدرك أن تحقيق التفوق في أفغانستان يمثل مصلحة وطنية حيوية، وأنه يعتقد أن تحقيق محصلة طيبة هناك أمر ممكن، ولأنه قبل ذلك كله يدرك أن من صميم واجبه كرجل عسكري أن يتحمل المسؤولية، وأن يتقدم لأداء الواجب عندما يطلب منه ذلك. وفي النهاية نأتي إلى السؤال: كيف خرج ماكريستال؟ لاشك أن مقابلة صحفي الـ"رولنج ستون" قد أثرت على سمعته كنجم من نجوم العسكرية الأميركية -وهذا شيء أراه طبيعيّاً. فتعبير أي رجل عسكري عن شكواه من أي شيء لصحفي يعتبر غباء .. والتعبير عن تلك الشكاوى، بغرض نشرها، لصحفي مناوئ للحرب غباء مضاعف أيضاً. والأنكى من ذلك أن التعليقات التي أدلى بها ماكريستال ومساعدوه، تكشف عن احتقار مزعج للسلطات المدنية الأميركية، وافتقار إلى الحد الأدنى من اللباقة. وإن كانت الأحداث التي أدت إلى الأزمة قد ساهمت في تلطيخ سمعة ماكريستال، إلا أن الطريقة التي عالج بها الرجل مسألة سقوطه تستدعي الاحترام كذلك. فالرجل تحمل المسؤولية عما حدث، ولم يحاول التهرب منه، أو يلتمس الأعذار، بالقول مثلا إن الصحفي لم يكن دقيقاً في نقل ما قاله، أو أنه قد خان عهداً قطعه على نفسه بعدم نشر تلك التصريحات. وكذلك لم يحاول ماكريستال أن يلصق تلك الغلطة الفظيعة بأحد من مساعديه، وإنما اعتذر عنها، وقدم استقالته. وتشير التقارير إلى أن الرجل، وفي الاجتماع الذي جمعه مع الرئيس في البيت الأبيض، لم يبذل أي مجهود للبقاء في وظيفته، وكان مباشراً وصريحاً غاية الصراحة خلال المقابلة. وهذا في حد ذاته يمثل نقيضاً مرحباً به لما يفعله المدنيون من شاغلي المناصب مثل بيل كلينتون على سبيل المثال الذي كانت أقوى غرائزه هي غريزة المحافظة على النفس والمنصب. فالطريقة المحترمة التي غادر بها ماكريستال، والطريقة التي تم التعامل بها مع القضية من جانب كل المعنيين، خففت لاشك من الضرر الذي كان يمكن أن يترتب على هذا الحدث المؤسف. -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"