يعاني رئيس الوزراء الإسرائيلي ورطة شديدة على الصعيد الخارجي خاصة في علاقته مع الحليف الاستراتيجي الأول في المنطقة وهو تركيا نتيجة لتداعيات العدوان العسكري على "أسطول الحرية"، وعلى الصعيد الداخلي مع حليفه الاستراتيجي وشريكه الإئتلافي أفيجدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الخارجية. ذلك أن محاولة نتنياهو للحد من الأضرار الشديدة التي وقعت بالتحالف التركي- الإسرائيلي قد دفعته إلى الأخذ بنصيحة الإدارة الأميركية، فأوفد وزيراً من وزراء حزب "العمل" وهو بنيامين بن إليعيزر لعقد لقاء سري في أحد فنادق بروكسل، وفي غرفة حجزت باسم شخص آخر مع وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو. يلاحظ أن هذا اللقاء الذي تم يوم الأربعاء الماضي قد جاء بعد وقت قصير من إعلان رئاسي تركي بأن الأجواء التركية، قد أصبحت مغلقة أمام الطيران الحربي الإسرائيلي كما ذكرت الصحف الإسرائيلية. يلاحظ أيضاً أن توقيت اللقاء يأتي متزامناً مع طلب قدمه الفريق العسكري الإسرائيلي الذي كلّف بالتحقيق في العدوان على السفينة التركية "مرمرة" بمد المهلة الزمنية الممنوحة له لأسبوع آخر. أهمية هذه الملاحظة تنبع من الأخبار المتسربة من أعضاء هذا الفريق العسكري إلى الصحافة، وهي أخبار تفيد أن النتائج التي توصلت إليها التحقيقات تشير إلى أن القوات الإسرائيلية، قد ارتكبت أخطاء فادحة أثناء العملية ترتب عليها إيقاع القتلى والجرحى. في ضوء هذه التسريبات يمكننا القول إن نتنياهو سارع إلى عقد اللقاء الوزاري مع الأتراك لكسر الجمود في العلاقات، وتليين الأجواء وإبداء الرغبة الإسرائيلية في الترضية قبل إعلان الفريق العسكري عن النتائج الأليمة التي ستجدد غضب واستفزاز الأتراك من جديد. إذن يجد نتنياهو نفسه مضطراً إلى القيام بهذه المبادرة التصالحية لتحسين صورة إسرائيل أمام حلفائها في الولايات المتحدة وأوروبا من ناحية ولاستعادة العلاقة الاستراتيجية المتميزة مع تركيا من ناحية ثانية. ورطة نتنياهو تتمثل في اضطراره للجوء إلى ستار السرية في المحاولة وذلك خشية على شعبيته في أوساط الجماهير الإسرائيلية "اليمينية" التي أبدت تأييداً كبيراً لقتل النشطاء الأتراك على السفينة من جانب وخوفاً من ردود أفعال شريكه "اليميني" ليبرمان، هنا تبين تقارير الصحافة الإسرائيلية أن السبب الرئيسي لعدم إبلاغ "ليبرمان" باللقاء مع الأتراك هو الخوف من التصريحات العلنية الضارة المعتادة التي قد يطلقها قبل أو أثناء اللقاء، وهو السبب الذي أرجحه. ويفترض بعض المحللين الإسرائيليين أن نتنياهو أراد توجيه رسالة علنية إلى "ليبرمان" تقول له عليك أن تصمت، أو أن تغادر الحكومة الإئتلافية، فليس هناك أحد في العالم يريد أن يقابلك كوزير لخارجية إسرائيل. يصعب قبول الرأي القائل إن نتنياهو قصد إهانة "ليبرمان" عمداً، ذلك أنه يعتمد عليه كحليف استراتيجي يشاركه أيديولوجية التوسع، ويقاسمه تكتيكات المناورة على المستوى الدولي للتهرب من حل إقامة الدولة الفلسطينية، بل إن نتنياهو يستخدمه كورقة سياسية للتنصل من المطالبات الدولية وخاصة الأوروبية والأميركية بالتقدم في عملية السلام. الاحتجاج الشديد الذي أبداه "ليبرمان" بعد تسرب خبر اللقاء الوزاري عن طريق الصحافة التركية، يعكس إحساسه بالإهانة للتجاهل الذي لقيه، ومن المرجح أن يستثمر الأزمة في أحد اتجاهين الأول أن يضغط على نتنياهو لرفض المطالب التركية الخاصة بالتحقيق الدولي وإنهاء الحصار على غزة والاكتفاء بدفع التعويضات المالية، وإما أن يحاول إبراز نفسه باعتباره الزعيم "اليميني" في إسرائيل الذي يستحق قيادة هذا المعسكر بدلاً من نتنياهو تمهيداً للانسحاب من الحكومة إذا ما قدم نتنياهو تنازلات تغضب معسكر "اليمين" في الموضوعين التركي والفلسطيني تحت الضغوط الدولية، وهو أمر مستبعد على المدى القريب.