منذ أن اندلعت أعمال العنف والاضطرابات العرقية في قرغيزستان في منتصف يونيو الماضي، أي بعد شهرين فقط من ثورة "السوسن" الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع "كرمان بيك باكاييف"، والتقارير تحذر من احتمالات أن تتحول هذه البلاد إلى أفغانستان أخرى، بمعنى أن تصبح ملجأ جديداً للجماعات الإرهابية، وبؤرة لتجمعها وتدريباتها وانطلاقها. فالأخيرة لا تظهر ولا تتواجد ولا تنجح إلا في البيئات المضطربة التي تتراخى فيها قوة الدولة وهياكلها ومؤسساتها، أو في الأراضي التي تشهد الانقسامات الجهوية والقبلية والعرقية والطائفية. ولعل ما حدث في أفغانستان أولاً ثم الصومال أفضل دليل على صحة زعمنا. والحقيقة أن قرغيزستان مؤهلة جداً لاقتفاء أثر أفغانستان والصومال لجهة الحرب الأهلية، واحتضان الإرهابيين، وانهيار مظاهر الدولة المعروفة، وبالتالي التسبب في أزمات دولية خطيرة قد تتجاوز حدودها إلى داخل الكيانات المجاورة لها. فهذه الجمهورية السوفييتية السابقة التي تحاذي الصين وكازاخستان وأوزبكستان وأفغانستان تجذرت فيها ثقافة العنف والتمييز الإثني على مدى العقدين الماضيين كنتيجة لضعف هياكل ومؤسسات الدولة، وضعف اقتصاد البلاد واعتماده على المساعدات الأجنبية، وظهور الأزمات المعيشية، وانتشار الفقر والبطالة، ناهيك عن بروز عصابات المافيا المتاجرة بالمخدرات، وانتشار الجماعات المتاجرة بالشعارات الدينية. إلى ذلك ساهمت حقيقة الأوضاع الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية الصعبة المشابهة لوضع أفغانستان من حيث طبيعتها الجبلية، وعدم إطلالها على البحار، وافتقارها إلى مصادر الطاقة، واحتضانها لقوميات تمتد جذورها عبر الحدود إلى دول أخرى (تعيش في قرغيزستان أقليات أوزبكية وتركية وروسية وصينية) في زيادة أزمات وتعقيدات هذه البلاد. هذه الحقائق تعزز احتمالات خطف الجماعات الإرهابية لقرغيزستان وطلبنتها، خصوصا في ظل تقاسم قرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان لما يعرف بـ "وادي التطرف"، أي "وادي فرغانة" المتميز بكثافة سكانية ضاغطة (يضم نحو 20 في المئة من سكان آسيا الوسطى) والذي عـُرف تاريخياً بأنه مهد للمشاكل الاجتماعية الخطيرة، وحاضنة للجماعات الراديكالية الإسلامية كحزبي النهضة والتحرير الإسلاميين، والتيار الإسلامي الأوزبكي، وغيرها من الجماعات الإسلاموية المتمتعة بدعم لوجستي من حركة "طالبان" الأفغانية. لقد شهدت قرغيزستان أحداث عنف غير المسبوقة في شكلها وعدد ضحاياها (سقط المئات من القتلى والآلاف من الجرحى في الاصطدامات العرقية ما بين الأغلبية القرغيزية والأقلية الأوزبكية منذ منتصف الشهر، كما نزح أكثر من 80 ألف شخص باتجاه أوزبكستان، وبات أكثر من 75 ألف قرغيزي من أصول روسية مستعداً للمغادرة إلى روسيا خوفاً على حياته). وثمة مصلحة مؤكدة لكافة القوى الكبرى في استتباب الأمن والاستقرار في هذه البقعة ذات الأهمية الجيو إستراتيجية، إبتداء بواشنطن وموسكو اللتين تملكان قواعد عسكرية داخل قرغيزستان، وانتهاء ببكين التي لا تبعد "أرومجي" عاصمة إقليمها المضطرب"تركستان الشرقية" عن مدينة "أوش" القرغيزية التي شهدت أسوأ أعمال العنف سوى رحلة طيران مدتها ساعة واحدة. ما يدعو للاستغراب هو وقوف الكيانات والمنظمات المؤثرة ضمن المجتمع الدولي موقف المتفرج حتى الآن من الأزمة القرغيزية. فما هي يا ترى أسباب هذا اللاإكتراث؟، أو بصورة أدق ما هي أسباب الخوف من الاقتراب من الأزمة؟ يقال إن موسكو مترددة في التدخل، حتى بعد أن طالبتها رئيسة الحكومة الانتقالية القرغيزية "روزا أوتونباييفا" رسمياً بضرورة إرسال قوات روسية إلى بلادها من أجل فرض الأمن والنظام، لأنها لا تريد أن تكرر ما فعلته في أفغانستان في الثمانينات، خصوصاً وأن أوضاع وظروف البلدين متشابهة إلى حد كبير كما أسلفنا. لكن موسكو، بسبب وجود مصلحة لها في عودة السلام إلى هذا البلد، رأت أنه من الأفضل أن يتم تدخلها في الأزمة من بوابة "منظمة معاهدة الأمن الجماعي". والأخيرة منظومة أطلقت في عام 1990 بالتزامن مع توقيع "ميثاق باريس من أجل أوروبا جديدة"، وتضم في عضويتها كلا من روسيا، وبيلاروسا، وأرمينيا، وقرغيزستان، وطاجكستان، وكازاخستان، وأوزبكستان. أما لماذا لم تقرن موسكو رغبتها بالفعل فلأسباب كثيرة منها اعتراض واشنطن التي تفضل أن تتولى مهمة التدخل منظمة أخرى هي "منظمة الأمن والتعاون الأوروبي" المكونة من 56 دولة، من ضمنها روسيا التي كثيراً ما بدت كحجر عثرة في سبيل وفاء المنظومة بالتزاماتها، ومنها الخوف من أن تتحمل موسكو بمفردها جل أعباء التدخل عسكرياً ومادياً، على اعتبار أنها القوة القيادية داخل المنظمة، ومنها مدى شرعية حكومة "أوتونباييفا"، كي تتقدم الأخيرة بطلب رسمي إلى المنظمة للتدخل، وأخيرا وجود احتمال قوي بأن ترفض أوزبكستان (عقدة موسكو في آسيا الوسطى) مبدأ تدخل المنظمة في الشؤون الداخلية لدولة في المنطقة، وذلك كي لا يشكل الحدث سابقة يمكن استخدامها مستقبلًا للتدخل في الشئون الأوزبكية الداخلية. ومما قيل إن واشنطن، التي تمثل لها قرغيزستان أهمية جيوبوليتيكية قصوى في حربها ضد معاقل الإرهاب في أفغانستان وباكستان، حرضت حكومة طشقند على رفض مبدأ التدخل المذكور، حتى وإنْ جاء بطريقة التفافية مثل إرسال قوات كازاخية (معظم عناصر الجيش الكازاخي من أصول روسية)، بل أن واشنطن، في سبيل تطييب خواطر الرئيس الأوزبكي "إسلام كريموف" الذي اتهمته قبل خمس سنوات بخروقات في حقوق الإنسان، أرسلت مساعد وزيرة خارجيتها "روبرت بليك" إلى قرغيزستان لتفقد مخيمات اللاجئين الأوزبك، ثم إلى طشقند ليؤكد لحكومة "كريموف" إلتزام الإدارة الأميركية بحماية الأقلية الأوزبكية في قرغيزستان والدفاع عن مصالحها. أما بكين، التي تملكتها الهواجس من احتمال أن يتفق الروس والأميركيون من خلف ظهرها دونما اعتبار لمصالحها في قرغيزستان التي إن انفلتت الأوضاع فيها أكثر فأكثر فقد تشعل حرائق بلقانية الصورة داخل الصين، فإن موقفها بدا غامضاً كالعادة. ولولا بعض ما أمكن جمعه من افتتاحيات صحفها، لما كان بالإمكان تكوين صورة لرؤيتها حول الأزمة. حيث تبين أن بكين حريصة على لعب دور محوري في استقرار آسيا الوسطى، وأن هذا الدور يجب ألا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، وإنما يتعداه إلى التدخل من خلال "منظمة شنغهاي للتعاون"، والتي تضم الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان.