تقضي التطوّرات والمستجدات المتسارعة على مختلف الصّعُد، خاصة على المستوى الاقتصاديّ في الوقت الحالي بفعل "الأزمة المالية العالمية"، وما كشفته من حقائق، بضرورة التفاعل الآني والكفء معها، لتجنّب تطوّرها بشكل غير سليم قد يضر برصيد المنجزات المتراكم على مدار العقود الماضية. ومن الحقائق التي كشفت عنها "الأزمة المالية" الحالية أن هناك فجوة كبيرة بين الدور المفروض أن تقوم به المؤسسات المالية حول العالم كمموّل محايد للأنشطة الاقتصادية وشريك مسؤول في التنمية من ناحية، والممارسات الحقيقيّة لهذه المؤسسات على أرض الواقع من ناحية أخرى، وكانت هذه الفجوة بدورها هي المسبّب الرئيسي لـ"الأزمة المالية العالمية" برمّتها. وبانكشاف هذه الحقائق يتبادر إلى الأذهان العديد من التساؤلات، بعضها حول كفاءة الآليّات المستخدمة في الرقابة على المؤسسات الماليّة على المستوى العالمي، ومدى احتياج هذه الآليات إلى المراجعة، وقد وصلت الحال إلى مطالبة العديد من الدول والمؤسسات الاقتصاديّة حول العالم بوضع نظام مالي عالمي جديد لتلافي الفشل الذي وقع فيه النظام الحاليّ لمنع حدوث أزمات مالية جديدة في المستقبل، كما تبادرت إلى الأذهان تساؤلات أخرى حول حقيقة الدّور الذي تقوم به المؤسسات والجهات الرقابية المسؤولة عن تتبّع أعمال المؤسسات المالية حول العالم وتقويمها، وحول مدى اضطلاع هذه الجهات بأدوارها ومسؤولياتها. وبالطبع تتطلّب هذه المستجدات المهمة تفاعلاً سريعاً وعلى درجة كبيرة من الكفاءة معها، بما يساعد على تصحيح المسار، ووضع الأسس والمعايير الرقابية السليمة التي تساعد على توجيه القطاع المالي في المسار السليم، بالإضافة إلى إعادة النظر في الدور الذي تقوم به المؤسسات الرقابيّة على الأنشطة المالية، والتقليل قدر الإمكان من مساحات التقاطع بين مصالح هذه الجهات ومصالح الجهات محلّ المراقبة. وقد فطنت السلطات النقديّة في دولة الإمارات، وعلى رأسها "المصرف المركزي"، إلى هذه الحقائق منذ بداية "الأزمة المالية"، وتفاعلت معها بشكل سريع وآنيّ، وانتهجت نهجاً ثبتت نجاعته في كثير من المواقف. وفي استمرار لهذا النهج السليم، فقد أعلن "المصرف المركزيّ" في تقرير أخير له أن هناك فجوة تتعلق بالإشراف النظامي على القطاع المالي في الدولة، ويعدّ هذا الإعلان في حد ذاته أحد مظاهر الشفافية، التي تعدّ إحدى القيم ذات الأهمية الخاصة في ممارسات السلطات النقدية في أثناء تأديتها أدوارها كرقيب نقديّ وشريك في التنمية. واستمراراً لمواكبة المستجدّات، فإن "المصرف المركزي" الإماراتي يخطط، بالتعاون مع الجهات المعنيّة على مستوى الدولة خلال الفترة المقبلة، لمراجعة الإطار التشريعي المنظّم والمحدّد للدور الرقابي على المؤسسات المالية وممارساتها في الدولة وتعديله، بداية من تعديل القانون الاتحادي الخاص بدور "المصرف المركزي" نفسه، وبهيكل النظام النقدي في الدّولة، وكذلك بطبيعة تنظيم المهن المصرفية، كما سيتم تعديل القانون الاتحاديّ الخاص بدور المصارف والمؤسسات المالية والشركات الاستثمارية. وهناك حقيقة مهمّة تنطبق على تحركات السلطات النقدية في دولة الإمارات في الوقت الحالي، وهي أن هذه التحركات ما هي إلا جزء من سياسة عامة للدولة تقضي بمواكبة التطورات والمستجدات الدولية في مختلف المجالات، اقتصاديّة كانت، أم اجتماعيّة، أم ثقافيّة، أم غيرها، وهي السياسة التي تجعل الدولة باستمرار محطّ أنظار العالم، كإحدى الوجهات المفضلة، سواء للاستثمار أو العيش أو السياحة، التي لا يضاهيها الكثير من الدّول على مستوى العالم.