ربما تكون الولايات المتحدة الأميركية أغنى دولة في العالم، غير أن دراسة علمية جديدة أشارت إلى أنها ربما لا تكون الدولة الأكثر سعادة. وحسب هذه الدراسة فإن هناك معيارين رئيسيين لتصنيف السعادة وتعريفها. أولهما الشعور بالرضا العام في الحياة، وثانيهما الاستمتاع بها لحظة بلحظة ودقيقة بدقيقة. وبينما يرتبط الشعور بالرضا العام عن الحياة ارتباطاً وثيقاً بدخل الفرد ومستوى معيشته، ما يعني تمتع مواطني الدول الأغنى أكثر من غيرهم بهذا الشعور، فإن قياس مدى سعادة الفرد اعتماداً على مقدار ضحكه وقدرته على الابتسام، لا يرتبط كثيراً بالدخل بقدر ارتباطه بتلبية الحاجات الروحية والنفسية للفرد. ويتضمن هذا النوع الأخير من السعادة تمتع الفرد بالدعم الاجتماعي وقدرته على استخدام وتوظيف قدراته وإمكاناته، بدلاً من استهلاك نفسه في العمل اليومي الممل. وعليه فقد احتلت الولايات المتحدة -التي تعرف بأنها أعلى دول العالم من ناحية دخل الفرد من إجمالي الناتج المحلي- المرتبة السادسة عشرة من ناحية الشعور بالرضا العام عن الحياة، والمرتبة السادسة والعشرين من ناحية استمتاع مواطنيها بحياتهم اليومية، وهو ما يشار إليه علمياً بمصطلح الشعور الإيجابي بالحياة. وفي المقابل فقد احتلت الدنمارك المرتبة الأولى في شعور مواطنيها بالرضا العام عن حياتهم، بينما احتلت نيوزيلندا المرتبة الأولى في استمتاع مواطنيها بحياتهم اليومية. وعلى حد قول الباحث "إد داينر" المشارك في هذه الدراسة التي أجرتها جامعة "إلينوي" بالتضامن مع مؤسسة جالوب العالمية لاستطلاعات الرأي، فقد درج الجميع على النظر إلى السعادة من منظور الشعور بالرضا عن الحياة ومستوى الدخل. وعلى رغم صحة الاعتقاد بأنه كلما ازداد دخل الفرد ونمت ثروته كلما كان أكثر شعوراً بالرضا عن حياته، فإنه ربما لا يكون للمال ذلك الأثر على مدى استمتاع الفرد بحياته. وربما يكون لجانب الشعور الإيجابي من السعادة جذوره الوراثية التطورية. فبينما يعكس الشعور بالرضا عن الحياة ما إذا كان الأفراد والناس عموماً يحققون أهدافهم وقيمهم على المدى البعيد وفي مستوى عام أكثر سعة، يبدو أن للشعور الإيجابي منبعاً يعود إلى مسائل لحظية آنية كامنة في مكان ما في التكوين النفسي للأفراد وارتياحهم للدعم الاجتماعي الذي يتلقونه من الآخرين من حولهم، وله صلة كذلك بقدرة الأفراد على استخدام مهاراتهم وقدراتهم، وهي جميعها أمور بالغة الأهمية بالنسبة لبقاء الأفراد ونموهم كما نعلم... ذلك ما قاله د. داينر ضمن اللقاء الذي أجرته معه مجلة "لايف ساينس". وقد نشرت نتائج الدراسة المذكورة في دورية Personality and Social Science. وقد جمعت بيانات هذه الدراسة من عينات نموذجية شملت 136 ألف شخص من 132 دولة خلال عامي 2005-2006. واستخدمت المكالمات الهاتفية في استطلاع آراء الذين شملتهم الدراسة ممن يقطنون في المناطق الأكثر رفاهية، بينما استخدمت الزيارات الميدانية للبيوت واحداً بعد الآخر في المناطق الريفية وتلك الأقل نمواً. وفيما يتعلق بالشعور العام بالرضا عن الحياة، أشار المستجيبون للاستطلاع إلى كيفية قياس شعورهم بالرضا أو عدمه من حياتهم بموجب مقياس تراوح بين الصفر والعشر درجات لأفضل حياة ممكنة. كما أجاب المشاركون في استطلاع الرأي عن أسئلة تتعلق بمدى إيجابية أو سلبية شعورهم إزاء اليوم الماضي من حياتهم مباشرة. وأشار المتوسط العام لإجابات المشاركين إلى شعور إيجابي وسعادة نسبية، وقالوا إن حياتهم الحالية تفوق مستوى الصفر بقليل، وإنها لا تخلو من تكرار لحظات الشعور الإيجابي، الذي يتخلله شعور سلبي في بعض الأحيان. وبينما أشارت الأغلبية إلى تلبية احتياجاتها النسبية، أشارت نسبة 25 في المئة من المستجيبين للدراسة إلى عدم تلبية حاجاتهم النفسية الأساسية. كما يلاحظ أن الشعور بالرضا العام عن الحياة قد ارتبط بمستوى دخل الفرد وحاجاته الشخصية، ما يؤكد أن لحياة الفرد والظروف الاجتماعية المحيطة به دوراً في شعوره بالسعادة. غير أن الشعور الإيجابي، الذي ارتفعت مؤشراته قليلاً عن الارتباط بدخل الفرد ومقدار ثروته، يبدو أن له صلة أكبر بشعور الفرد بمدى الاحترام الذي يحظى به، وبشعوره كذلك باستقلالية شخصيته، وتمتعه بالدعم النفسي والاجتماعي، وعمله في مهنة يرضى عنها. وكشفت الدراسة عن مفاجآت كبرى في تصنيف الدول من ناحية شعور مواطنيها بالسعادة وفق المعايير أعلاه، خاصة إذا ما افترضنا أن المال هو المصدر الوحيد للثروة، على حد قول "د. داينر". وضمن المفاجآت هذه: كيف للمرء أن يتصور أن دولة متوسطة الدخل القومي مثل كوستاريكا تأتي في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة الأميركية، أغنى دول العالم على الإطلاق؟ وفي المقابل، علينا أن نتصور كيف لا يشعر مواطنو دولة غنية نوعاً ما مثل كوريا الجنوبية بالسعادة التي كنا نتوقعها لمواطنيها؟ يجيب الباحث "داينر" عن هذين السؤالين بالقول إن المال ليس وحده المقياس للسعادة، وإن لشعور الفرد بالرضا عن حياته علاقة بمسائل وعوامل عديدة أخرى، أهمها مدى رضاه عن علاقاته الاجتماعية. بالمقاييس نفسها يلاحظ أن الدنمارك احتلت المرتبة الأولى عالمياً من ناحية شعور مواطنيها بالرضا العام عن حياتهم، بيد أنها احتلت المرتبة السابعة عالمياً من ناحية الشعور الإيجابي لدى مواطنيها، أي استمتاعهم بحياتهم اليومية. ولاحظت الدراسة أيضاً انخفاض معدلات الشعور بالرضا العام عن الحياة وكذلك الشعور الإيجابي والاستمتاع بالحياة اليومية في غالبية المجتمعات الأفريقية. وفي حين حققت مجتمعات شمال أوروبا والأنجلو-أميركية نجاحاً اقتصادياً واضحاً، يلاحظ أن مجتمعات أميركا اللاتينية الأقل حظاً اقتصادياً هي الأعلى درجة نسبياً من ناحية الرضا العام الاجتماعي والنفسي عن حياتها. وفي كل ذلك ما يؤكد أن المال وحده ليس المقياس الذي تقاس به سعادة الأفراد والمجتمعات. ------ جينا براينر كاتبة أميركية متخصصة في الشؤون العلمية ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"