لم تنجح اتفاقيات كامب ديفيد في 1978 ولا معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 1979 في جعل الكيان الصهيوني أكثر قبولا في الوجدان العربي. كما لم تنجح معاهدات السلام الأردنية الإسرائيلية في وادي عربة عام 1994 في تحقيق نفس الهدف بل ازداد الوعي العربي في الأردن نفوراً من إسرائيل ورفضاً لها. بل قامت ثورة في موريتانيا ومن أسبابها الاعتراف بإسرائيل ووجود سفارة لها في نواكشوط. ولم تعد المكاتب التجارية المفتوحة أو مكاتب العلاقات العامة هنا أو هناك قادرة على العمل علناً بعد العدوان على غزة. وأصبح الجسد العربي أكثر رفضاً لهذا الجسم الغريب المزروع فيه. لقد بدأ العمل بسلاح التطبيع لجعل اتفاقيات السلام في كامب ديفيد ووادي عربة أكثر قبولا على المستوى الشعبي والثقافي. والهدف قبولها شعبيّاً وثقافيّاً ووجدانيّاً وتاريخيّاً بعد فشل المعاهدات الورقية البروتوكولية وليست السياسية نظراً لمعارضة أجهزة وزارات الخارجية لها بعد فرضها عليها باسم السياسات الدولية العليا. وقد عقدت اتفاقية "كامب ديفيد" ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية منذ أكثر من ثلاثين عاماً في نفس العقد الذي اندلعت فيه حرب أكتوبر، والعداء للكيان الصهيوني يزداد عمقاً. وقد تكون الحرب القادمة في المنطقة بين العرب وإسرائيل إذا ما اعتدت إسرائيل، كما اعتدت من قبل على مصر والأردن وسوريا في 1967 بدعوى فك الحصار عنها في خليج العقبة. ولم يستطع جيش مصر إلا الدخول في المعركة دفاعاً عن سوريا ولبنان تلقائيّاً أو تحت الضغط الشعبي. فما العمل، يقول البعض، كي تكون إسرائيل أكثر قبولا في الوجدان العربي بعد أن قبلتها بعض الأنظمة العربية اختياراً أو اضطراراً؟ ما العمل بعد أن رفض التطبيع الإعلام والجامعات ومراكز الأبحاث والمؤتمرات الدولية والمهرجانات الفنية بل والمحاولات الفجة مثل تسمية شارع في رأس غارب في محافظة جنوب سيناء التي سقط فيها آلاف الشهداء والتي مرت الدبابات الإسرائيلية فيها على أجساد الأسرى المصريين الأحياء فسوتها بالأرض، باسم تل أبيب، وقيام الأهالي بنزع اللافتة دون محاسبة المسؤولين في المدينة، الحي والمحافظة؟ إذن، هو التطبيع غير المباشر بجدول أعمال خارجي ولكنه يشغل الوجدان العربي بقضايا وأولويات ليس من ضمنها الشعب والأرض والوطن. هو تطبيع غير مرئي على الأمد الطويل موازٍ لتصفية القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية سياسية لشعب طُرد من أرضه وزرع شعب آخر مكانه، وتحويلها إلى مجرد قضية إنسانية لشعب في حاجة إلى غذاء وماء ودواء مثل الشعوب الأفريقية الصحراوية بسبب الجفاف والكوارث الطبيعية. هو وضع جدول أعمال ينشغل العرب به، يُعاد فيه ترتيب الأولويات بدلا من الكفاح والشعب والأرض، المرأة والأقليات والسلام وحوار الحضارات والعولمة وربما أيضاً ركوب موجة المطالبة بالديمقراطية والتعددية السياسية التي لا يختلف عليها أحد بعد فشل المشاريع السياسية المباشرة مثل الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، والاتحاد من أجل المتوسط، ومسار برشلونة كبديل لحوار الشمال والجنوب حيث تكون إسرائيل جزءاً منه كدولة متوسطية تطل على البحر الأبيض المتوسط، شرق أوسطية أوروبية مثل معظم الدول العربية. وفي هذه الأثناء ينتشر خطاب المرأة. وتكثر الندوات حولها. ويغزو المراكز والمجالس الثقافية بالمحاضرات والندوات والأعداد الخاصة للمجلات. ويُقسم النضال الوطني إلى قسمين: الأول للمرأة والثاني للرجل دون وحدة نضالهما معاً باسم الوطن والمواطنة. وتبرز أيضاً قضية الأقليات في كل الوطن العربي في العراق ومصر والمغرب العربي والدفاع عن حقوقها ضد سطوة الأغلبية. فيتحول النضال الوطني ضد العدو الخارجي إلى النضال ضد العدو الداخلي، أكراد ضد سُنة، وسُنة ضد شيعة، وزيدية ضد شوافع، وأقباط ضد مسلمين، وبربر ضد عرب، وجنوبيون ضد شماليين، ودارفوريون ضد سودانيين، ومسيحيون ضد مسلمين أو مسلمون ضد مسيحيين في الدول الأفريقية جنوب الصحراء. وتكثر الندوات عن حوار الحضارات في مواجهة صراع الحضارات، فالتقارب الحضاري مقدمة للتفاهم بين الشعوب، وقد تعايشت الحضارة الإسلامية مع الحضارة المسيحية والحضارة اليهودية في كل أرجاء الوطن العربي في مصر والشام والعراق واليمن والمغرب العربي. وكان أزهى عصور الحضارة اليهودية في الأندلس في ظل الحضارة الإسلامية. وهي كلمة حق يُراد بها باطل فلم يكن يهود الأندلس أو العراق أو مصر أو الشام أو اليمن أو المغرب العربي من المعتدين الذين طردوا شعباً بأكمله من أرضه ليحلوا محله بل كانوا عرباً. يعيشون وسط العرب الذين حملوا اليهودية والمسيحية والإسلام. وكثرت أيضاً الندوات عن السلام وتمويلها من الجهات الأجنبية. في الوقت الذي تركز فيه إسرائيل على الأرض والشعب والاستيطان، ولا أحد يغير أولويات جدول أعمال لها أو يضع جدولا بديلا. الغاية من التطبيع غير المباشر هي ملء الفراغ فيما يسمى بالشرق الأوسط. فبعد أن كانت تركيا تحتويه أثناء الخلافة العثمانية ثم حل الغرب محلها بعد تفتيتها واستيلاء كل من القوى الغربية على إحدى ولاياتها، ثم يقظة العرب بعد حركات التحرر الوطني وقيادة مصر للقومية العربية في الخمسينيات والستينيات ثم انزوائها منذ السبعينيات حتى الآن. ولما كان من الصعب تنفيذ هذا التطبيع عن طريق الإعلام، والجامعات، ومراكز الأبحاث، يتم تنفيذه الآن بطريقة أخرى بداية بمراكز الثقافة والإعلام الأجنبية التي ترعاها الاتفاقات الدبلوماسية، وتعمل كجزء من السفارات الأجنبية كما حدث من قبل مع مركز الثقافة الفرنسي ونهاية بمراكز ومجالس الثقافة العليا ومكتباتها الحديثة وهي خارج دائرة الاشتباه والشك في ولائها الوطني دون استعجال. وفي الوقت نفسه يصل خيار السلام إلى طريق مسدود. وليس أمام العرب خيار آخر. يد تحمل غصن الزيتون ويد تسقط السلاح.