هل يمكن لمقال واحد يكتبه صحفي متمرس أن يقصي أكبر قائد للقوات الأميركية في أفغانستان، أم أن هذا المقال كان بمثابة القشة التي كسرت ظهر البعير؟ ففي خضم انهماك المشاهدين بكأس العالم، كان أوباما يستلحق قائد قواته العسكرية في أفغانستان، ستانلي ماكريستال، ليطلب منه تقديم استقالته بسب بعض التصريحات الخارجة عن المألوف، والتي أدلى بها ماكريستال، واعتبرت في الولايات المتحدة بمثابة كسر للتقاليد العسكرية الصارمة التي تجبر القادة العسكريين على احترام قياداتهم المدنية والانصياع لها حتى إذا هم لم يتفقوا معها، فإن اختلافهم يجب أن يتم بشكل هادئ وبعيداً عن الصحافة والضجيج الإعلامي، وداخل غرف مغلقة. إقصاء الجنرال ماكريستال والذي يعد القائد العسكري الثاني الذي يفقد منصبه في أفغانستان خلال عام واحد، يعد بمثابة ضربة قاصمة للجهد الأميركي العسكري في أفغانستان، لاجتثاث "طالبان" وأنصارها. فبحلول شهر يونيو الماضي دخلت الحرب في أفغانستان عامها العاشر، وبذلك ستكون أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، وأطول من حرب فيتنام. صحيح أن الشعب الأميركي لم ينزل بعد إلى الشوارع للاحتجاج على الحرب الأميركية، ولكن بدأت العديد من الدول الأوروبية تعلن انسحابها من الميادين العسكرية، أو تجنح إلى الطلب من قائد قوات حلف "الناتو" أن ينقلهم إلى أماكن أكثر أمناً من بعض المناطق الملتهبة في البلاد. أوباما عين مهندس الحرب في العراق الجنرال (بترايوس) ليكون قائداً جديداً للقوات الأميركية في أفغانستان. والجنرال بترايوس معروف بسياساته التي تتطلب إرسال مزيد من القوات إلى ميادين القتال مثلما فعل من قبل في العراق. لكن نتيجة الحرب الأفغانية لن تكون بسهولة حربها في العراق. فالبعد الطائفي والتدخل الإيراني في العراق خلق مشاكل عدة وضمن تطاحن داخلي بين الفئات والقوى العراقية، ما ضمن للأميركيين من أن يكونوا هم الحكم بين هذه الفئات. كما أن انسحاب تلك القوات قبل عام مضى من المدن، قلص من حجم الخسائر البشرية بين الجنود وحول الحرب إلى أن تكون بين الفصائل العراقية وقوات الشرطة والجيش العراقي. أما في أفغانستان، فإن اللحمة الاجتماعية ربما لا تسمح لـ(بترايوس) بأن يلعب اللعبة نفسها، فعناصر التمرد الأفغاني منتشرة بين معظم فئات الشعب الأفغاني، كما أن حجم الشرطة والجيش التابع لحكومة كرزاي، لا يسمح له بأن يتحمل أعباء حرب داخلية. وإذا ما حدثت مثل هذه المواجهات، فإن قسماً من الجيش سينضم إلى صفوف المعارضة المسلحة، وبهذا يفقد الجيش وحدته في غياب وجود القوات الأميركية. في الماضي اتبع الجنرال المقال (ستانلي ماكريستال) سياسة مقارعة حرب العصابات، بتكتيكات متعددة، مستخدماً البندقية والرغيف لإغراء بعض أبناء القبائل والقيادات المحلية. وبالرغم من تبني هذه السياسة فإنها فشلت في بسط سلطة حكومة كابول على مناطق واسعة من البلاد. واليوم سيحاول بترايوس، أن يتبع سياسة حرق الأرض عبر إرسال مزيد من الجنود وإتباع سياسة الحرب المسيرة من بعد، عبر استخدام الطائرات الموجهة دون طيار. ويأمل بترايوس بنجاح إستراتيجيته الجديدة. وقد أعلن أوباما أن القوات الأميركية لن تبقى إلى الأبد في أفغانستان، وأنها قد تبدأ بالرحيل في شهر يوليو من عام 2011م. وهذا يعني أن أعباء الحرب الاقتصادية قد أثرت على الجهد الأميركي. وحتى الوقت الحاضر، فإن عدد ضحايا حلف "الناتو" لا تتعدى ستمائة قتيل خلال هذا العام. وإذا زادت أعداد الضحايا من الجنود، فإن الأصوات المعارضة للحرب سترتفع في واشنطن مثلما ارتفعت في العواصم الأوروبية، وستضطر الإدارة الأميركية إلى إعادة تقييم الموقف العسكري والإستراتيجي. والحقيقة أن الحرب الأميركية على أفغانستان كانت بمثابة حملة عسكرية رداً على الحادي عشر من سبتمبر، وكان يجب أن تكون محدودة، وأن تنتهي بمدة زمنية معينة. غير أن الانغماس في تلك الحرب، أدى إلى تطور الأهداف السياسية والإستراتيجية لتلك الحرب، وحلت أهداف أيديولوجية محل الأهداف السياسية فيها، وبذلك أصبح الهدف من الحرب هو إنشاء دولة أفغانية تقوم على القيم والأعراف الغربية، وهو أمر صعب في بلد تقليدي مثل أفغانستان. غير أن هناك أهدافاً غير مرئية في أفغانستان، منها احتلال الجسر البري بين القلب والأطراف، بقصد تهميش الاتحاد الروسي من جهة والصين من جهة أخرى وفصلهما عن مناطق جنوب آسيا وغربها. وربما يذهب بعض المتشائمين إلى أن الهدف من الحرب هو الحصول على جزء من المعادن الثمينة التي اكتشفها الروس حين احتلوا ذلك البلد، دون أن يتمكنوا من الاستحواذ على تلك المعادن النفيسة. وحتى النظرية التي تدفع بها بعض الجماعات الليبرالية في الولايات المتحدة من أن حكومة كرازاي قد أدخلت تحسينات في مجال التعليم والصحة والخدمات. وربما كان ذلك صحيحاً في بعض المناطق، ولكن الحقيقة المرة هو أن ثمن سقوط الضحايا من المدنيين قد فاق المكاسب المتأتية من الاحتلال الأميركي للبلاد. الأفغان قدموا مليون شهيد في حربهم ضد الاحتلال السوفييتي في السبعينات، ولازالوا يقدمون الكثير من أرواح أبنائهم ومدنييهم في هذه الحرب الضروس. وإذا قررت الولايات المتحدة مغادرة أفغانستان بعد عام عاشر من الحرب، فإن الأفغان سينتظرون حتى تغادر القوات الأجنبية بلادهم. والأجدر أن يتم الانسحاب بشكل أسرع، وبذلك تحقن الدماء ويعود السلم إلى بلد عانى من حروب دموية خلال تاريخه الطويل. فالأفغان يريدون التعليم والصحة والتجارة واستغلال الموارد الأولية حتى ينتعش اقتصادهم، وتنتهي تجارة المخدرات إلى الأبد من هذا البلد الفقير. ربما تكون إقالة ماكريستال لحظة تاريخية يعيد فيها أطراف الحرب تقييمهم لمخاطرها وتكاليفها.