لم أكن أعرف الكثير عن عرب الصين، ولكنني كنت أتساءل حين قرأت تاريخ الفتوحات عن مصير الآلاف من جنود قتيبة بن مسلم بعد أن توقف الفتح بموت الوليد والحجاج، وكنت بالطبع أعلم أن المسلمين في الصين عرفوا الإسلام من عهد الخلفاء الراشدين، وقد تحدثت في مقال سابق عن سفراء الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أسرة "يانغ" الصينية الملكية سنة 21 هجرية، وأولهم محمد بن سعد بن أبي وقاص، وكنت قد زرت الصين مؤخراً (منتصف يونيو 2010) مع وفد عربي كبير يمثل جامعة الدول العربية ويضم نخبة من وزراء الثقافة العرب وممثلين عن ثلاث عشرة دولة عربية اجتمعت في مهرجان الفنون العربية في الصين وشاركت في المنتدى الثقافي العربي الصيني. وقد لبينا دعوة أصدقائنا الصينيين لزيارة "ينتشوان" عاصمة منطقة "نينغشيا" ذات الحكم المحلي شمال غرب الصين، ويشكل المسلمون ثلث سكانها وعددهم فيها نحو مليوني مسلم. وأحسب أن أصدقاءنا الصينيين قد اختاروا هذه المنطقة لإطلاع الوفود العربية الرسمية على ما يتمتع به المسلمون في الصين من حرية في الاعتقاد، ومن مشاركة في الحكم الذاتي. والواضح أن الصين التي خرجت من نمط ثقافي موحد كان اتجاهاً إجباريّاً على مدى سنوات من القرن العشرين، دخلت بقوة عصر الانفتاح والتعددية والتنوع الثقافي، وبات حضور الثقافة الإسلامية يشكل غنى معرفيّاً فيها، وبوسع المسلمين في الصين أن يشكلوا جسر تواصل أمتن بين شعوب الصين وشعوب الأمة الإسلامية التي يضاهي عددها عدد شعوب الصين (نحو مليار ونصف المليار نسمة). وتختلف الروايات حول حقيقة عدد المسلمين في الصين فعلى رغم أن بعض الإحصائيات تشير إلى أنهم يشكلون أربعين مليون مسلم، إلا أن ثمة تضارباً في الأرقام التي يذكرها العارفون، فمنهم من أكد لي أن عددهم يصل إلى مئة مليون، ومنهم من قال إن العدد الحقيقي لا يزيد على عشرين مليوناً. وليس مهمّاً كم هو العدد بمقدار أهمية الحضور الثقافي والتمثيل الجيد لهذه الحضارة العريقة في العالم، والخطر أن يستغل أعداء الإسلام موجات التطرف الفكري وأن يشتغلوا على بعض الشباب الذين يجهلون حقائق دينهم الإسلامي فتنتشر أفكار متشددة خارجة عن السياق الإسلامي المعتدل، فتكون سبباً في نفور الصينيين من الإسلام كما حدث في أوروبا والولايات المتحدة، ولهذا فإن ما تفعله حكومة الصين من توفير بيئة من الحرية الدينية سيمكن المسلمين لديها من مقاومة أية أفكار متطرفة هي عادة ما تظهر في وسط متطرف. وقد كان اختيار الزيارة إلى إقليم "نينغشيا" موفقاً لأن أغلبية السكان فيه ينتسبون إلى قومية الـ"هوي" وهم يفخرون بأصولهم العربية، ويطلقون على أبنائهم أسماء عربية إلى جوار أسمائهم الصينية. وقد أجرينا مباحثات مع حكام المنطقة وكانوا فخورين بوجود الـ"هوي" في مواقع مسؤولية كبيرة في الحكم، وقد التقيت الأخ عبدالرحمن يوشوي لكونه يمثل جمعية "نينغشيا" الخيرية التي تقوم ببناء "مدينة المسلمين العالمية"، وعلمت أن الحكومة الصينية قدمت للمشروع مساعدات ممتازة، فقد منحته الأرض والبنى التحتية، والجمعية ترجو مزيداً من المساعدات من الدول العربية والإسلامية نظراً لضخامة المشروع وأهميته، فهو يضم مسجداً جامعاً ومتحفاً إسلاميّاً، وجامعات ومستشفيات ودور أيتام ورعاية اجتماعية. وكان مرافقي (الدكتور ماجان منغ) وهو أستاذ جامعي اسمه العربي (يوسف بن سليمان) قد حدثني عن كون العرب وصلوا إلى الصين في زمن الهجرة إلى الحبشة، أي قبل الهجرة النبوية إلى يثرب، وأن أربعة من الصحابة الأوائل جاءوا منها إلى جنوب الصين زمن أسرة "يانغ جو" ثم تدفق آخرون -ولعلهم تجار- زمن أسرة "تانغ"، وبعدهم جاءت الفتوحات التي حملت معها شعوباً وأعراقاً مختلفة من الأمم التي دخلت الإسلام وانضمت إلى جيوش الفتوحات. ومن المعروف أن جيش قتيبة بعد أن فتح ما يسمى تركستان الشرقية توقف عند "كاشغر"، والذين تابعوا نشر الإسلام بعده هم التجار المسلمون، كما تابع نشره المغول الذين عادوا من الشام بعد غزوهم لها مسلمين، وقد سألت الدكتور يوسف (ماجان) عن معنى كلمة "هوي" بالصينية فقال إنها تعني "العودة"، لكن صديقي الباحث الدكتور خلف الجراد -وهو سفير سوريا في الصين- اجتهد في تفسير الكلمة فقال: "لعل أصلها خويّ بتفخيم الخاء وتشديد الياء وربما تعني أخوي"، حيث لم يكن ثمة رابط أقوى من الأخوة في الدين الجديد. وقد فوجئت بكثرة عدد المساجد في "ينتشوان"، وبعضها يرتفع على أسطح المباني التجارية الضخمة وترتفع فوقه المآذن تأكيداً للهوية. وقد علمت أن في منطقة "نينغشيا" خمسة آلاف مسجد، وأن في الصين أكثر من ثلاثين ألف مسجد، وقد زرت مكتبة المدينة ومتحفها الأنيق، وقرأت بالعربية على بعض المعروضات تعريفاً بقومية "هوي" العربية، وتأملت نسخة ضخمة فريدة من القرآن الكريم مكتوبة بخط نسخي جميل، أفردت لها قاعة واسعة من المتحف، وقد علمت أن المسلمين في الصين قدموا عشر ترجمات لمعاني القرآن الكريم، ولكنهم يحتاجون إلى ترجمات للتفاسير الشهيرة. وقد أخبرني الدكتور (ماجان) أنه بدأ مشروع ترجمة للتفاسير. وفي لقائي مع حكام الإقليم وبخاصة السكرتير العام للحزب الشيوعي في "نينغشيا" لمست فخره الشخصي بوجود الـ"هوي" وقد عرّفنا إلى شخصيات حاكمة في مواقع مسؤولية كبيرة ينتمون إلى الـ"هوي"، ولم يكن مفاجئاً أن أجد الحجاب الإسلامي منتشراً بين فتيات "هوي"، حتى في مطعم الحديقة الشهير في المدينة حيث رحبت بنا الفتيات المحجبات العاملات في المطعم بتحية الإسلام. وفي جامعة المدينة قسم لتدريس اللغة العربية وعدد طلاب صفوفه اليوم ألف طالب وطالبة، وفي الصين اليوم أكثر من عشرين جامعة تدرس اللغة العربية، وأرجو أن يكون هؤلاء الدارسون جسر تواصل ثقافي واقتصادي كبير بين العرب وشعوب الصين.