أخيراً، اتخذ أوباما قرارات في السياسة الخارجية نالت ثناء منتقديه مرتفعي الصوت من المحافظين الجدد في واشنطن، حيث نُظر إلى الإقالة السريعة لماكريستال من قيادة القوات الأميركية وقوات الناتو على أنها كانت ضرورية لا محالة، وذلك عقب ظهور مقالة في مجلة "رولنج ستون" عنوانها "الجنرال الهارب". وتضمنت تلك المقالة التي كتبها الصحفي "مايكل هاستنجز"، الذي أمضى عدة أسابيع مع فريق ماكريستال في أفغانستان، عدداً من التعليقات التي انطوت على انتقادات حادة من جانب مساعديه، وماكريستال نفسه، بحق أعضاء في إدارة أوباما، منهم نائب الرئيس "بايدن"، والسفير الأميركي الحالي في أفغانستان "كارل إيكنبيري"، ومبعوث أوباما الخاص لأفغانستان وباكستان "ريتشارد هالبروك". والخطأ الذي ارتكبه ماكريستال في هذا الصدد هو أنه سمح لذلك الصحفي بالاطلاع كيفما شاء ودون قيود على ما كان يزمع كتابته، وهو ما ينم عن سذاجته السياسية، وافتقاره إلى ملكة الحكم السليم على الأشياء. وقد كشفت المقالة عن طبيعة العلاقات التي كانت تتسم أحياناً بالمرارة بين العسكريين الأميركيين في ميدان القتال، وبين السياسيين في الوطن، الذين يحاولون التوصل إلى حل ما للحرب الأفغانية. والخطوة التالية التي اتخذها أوباما في هذا الشأن، كانت لا تقل عن الأولى من حيث البراعة، وذلك عندما عين بيترايوس محل ماكريستال. فبيترايوس القائد الحالي للقيادة المركزية الأميركية، يعتبر من الناحية الفنية البحتة رئيساً لماكريستال، وبعد أن تمت الموافقة على تعيينه من قبل لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي، فإن ذلك سوف يكون بمثابة تنزيل لمكانته أو وضعه في منصب يقل عن المنصب الذي كان يشغله من قبل. بيد أن تعيين بيترايوس يحقق فائدتين لأوباما: الأولى أن بيترايوس كان هو المؤلف، وبعد ذلك المُنفذ، لاستراتيجية مكافحة التمرد، أو ما كان يطلق عليه "استراتيجية زيادة أعداد القوات" التي أثبتت فعاليتها في العراق خلال عامين 2007 و2008. وهو أيضا الرجل الذي ينسب إليه فضل إنقاذ إدارة بوش من التعرض للعار والمهانة في العراق. وهو بالإضافة لذلك، يدعم تماما سياسة أوباما الحالية في أفغانستان، والتي سيتم بموجبها سحب القوات الأميركية من هناك في يوليو 2011، وإن كان يلزم القول إن ذلك التاريخ هو تاريخ صوري تماماً لأن معظم المحللين يتوقعون من الولايات المتحدة أن تحتفظ بوجود عسكري في أفغانستان لعدة سنوات قادمة. وسوف تكمن الصعوبة في هذا المجال، في إقناع الحلفاء الأوروبيين، والجمهور الأميركي بالاستمرار في الاهتمام بالمسألة. وهناك اهتمام متزايد في واشنطن حالياً حول الفساد الموجود في حكومة كرزاي، وخصوصاً بعد تكاثر الأقاويل بشأن تحويل مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأميركيين إلى ملاذات آمنة في الشرق الأوسط أو الغرب. ويشار في هذا الصدد إلى أن الرئيسة القوية للجنة الفرعية لتخصيصات المساعدات الخارجية بمجلس النواب الأميركي، "نيتا لوي"، قد قررت تعليق المساعدة الأميركية لأفغانستان إلى أن تتم مراجعة وفحص موضوعات الفساد بشكل كامل. وبيترايوس وأوباما لم يتغلبا بعد على كافة العقبات، خصوصاً وأن الوضع في أفغانستان لا يزال هشاً، كما أن الخسائر البشرية والمادية آخذة في التزايد. ومع ذلك، يمكن القول إن أوباما قد نجح، في الوقت الراهن، في تهدئة اعتراضات النقاد من الجناح اليميني الذين قالوا مراراً وتكراراً إنه "رجل أقوال لا رجل أفعال". وهناك فائدة إضافية لتعيين بيترايوس تتمثل في أن اسمه قد تردد في بعض الأوساط كمنافس محتمل للمرشحين الجمهوريين للانتخابات الرئاسية عام 2012. وبالطبع لن يكون بيترايوس قادراً على السعي لتحقيق طموحاته السياسية إذا ما كان مشغولا بالقتال في أودية أفغانستان. بالإضافة إلى ذلك، أثنى المحافظون الجدد على أوباما، لدعمه الصريح جورجيا في نزاعها مع روسيا، وذلك في المحادثات التي تمت بينه وبين الرئيس الروسي ميدفيديف. وهم أيضاً راضون عن دعمه القوي لكوريا الجنوبية في مواجهتها مع كوريا الشمالية عقب إغراق السفينة "تشينان" في 26 مارس 2010. والمفارقة هنا هي أن الدعم الذي يلقاه أوباما من جانب المحافظين الجدد في الوقت الراهن يأتي في وقت بدأ منتقدوه في اليسار، يبدون قلقاً بشأن طبيعة إدارته وتوجهها. فهؤلاء المنتقدون يعتقدون أن أوباما كان ليناً أكثر مما ينبغي في تعامله مع الشركات الكبيرة، والمصالح المصرفية الضخمة، وأنه قد فرض تخفيضات شديدة القسوة على البرامج الاجتماعية التي تزداد الحاجة إليها في أوقات الكساد. ومع ذلك يمكن القول إن أكبر مشكلة تواجه أوباما هي التعافي الاقتصادي الفاتر، واستطلاعات الرأي التي تظهر أن معظم الأميركيين يعتقدون أن بلادهم "تتحرك في الاتجاه الخاطئ"، وهو أمر لا يبشر بخير للديمقراطيين في انتخابات الكونجرس القادمة في نوفمبر 2010. فمن المؤكد تقريباً أن الديمقراطيين سوف يفقدون مقاعد كثيرة في تلك الانتخابات، وهو ما يمكن أن يؤدي لفقدانهم للسيطرة على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وهنا ستكون الإشكالية الأكبر لإدارة أوباما. والمهم -في الوقت الراهن على الأقل- أن مشكلة ماكريستال قد انتهت، وأن أوباما يحصل الآن على اعتراف بالفضل وهو اعتراف يستحقه بالتأكيد على تلك الأعمال البارعة التي قام بها.