مهما كانت حدة الجدل الذي تثيره بعض الموضوعات بين جماعة العلماء وشريحة واسعة من الرأي العام، وسواء تعلق بالنقاش حول نظرية التطور، أو مسألة التلقيح ضد الأمراض... لابد من فهم نمط العلاقات والمواقف المسبقة قبل التسرع في إلقاء اللوم والتعبير عن الاستياء من هذا الطرف أو ذاك. فمن جهة تبدو بعض فئات الرأي العام محصنة تماماً ضد الحقائق العلمية، رافضة لها، رغم إضعافها لوجهات نظرها وتفنيدها لأفكارها. ومن جهة أخرى يشتكي العلماء من جهل الجمهور، متمنين فقط لو كانت معارفهم العلمية أكبر لتفادي سوء الفهم ولتبديد تعنت العامة من بعض القضايا الجوهرية... لكن ماذا لو كان الطرفان على خطأ؟ الحقيقة أننا نعرف منذ مدة أن الأميركيين ليسوا على إلمام كبير بالعلم وبديهياته، حيث أظهرت استطلاعات الرأي التي تقيس آراء الجمهور حول نظرية التغير المناخي والانفجار العظيم، بل حتى فكرة دوران الأرض حول الشمس، وجود هوة شاسعة بين ما يقول به العلم وما يؤمن به الرأي العام. لكن ليس هذا هو السبب وراء مقاومة العديد من الناس للحقائق العلمية، لاسيما بعد أن أوضحت سلسلة من الندوات واللقاءات التي عقدتها الأكاديمية الأميركية للعلوم والفنون خلال السنة الماضية، أن سوء التفاهم متبادل وأنه ناتج عن الجمهور بقدر ما هو ناجم عن العلماء أنفسهم الذين يفشلون في إدراك أن امتلاك الجمهور لمعارف علمية أكبر وحصة أوفر من التقييم العلمي لا يعني بالضرورة مساندتهم للقضايا التي يدافع عنها العلماء. وكمثال على ذلك، يشتكي العلماء في موضوع التغير المناخي من لجوء بعض السياسة إلى تضليل الرأي العام ولي أعناق الحقائق العلمية لإنكار أي شيء مرتبط بالاحتباس الحراري، معتبرين أن المشكلة تكمن في غياب المعلومات لدى الرأي العام، وأنه ما أن تعالج هذه المشاكل حتى يقتنع الجمهور بحقيقة التغير المناخي. لكن أي نظرة فاحصة للموضوع تؤكد أن المسألة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، فما يؤثر على آراء الجمهور هو النظرة السياسية وليس المستوى التعليمي، فحسب استطلاع للرأي أجراه مركز "بيو للأبحاث" يبقى احتمال قبول الجمهوريين من خريجي الجامعات بالتوافق العلمي حول التغير المناخي أقل من نظرائهم الجمهوريين من ذوي المستوى التعليمي المتدني، فالأكيد أن هؤلاء الجمهوريين الذين يرفضون التغير المناخي ليسوا مجموعة من الجهلة، بل التفسير المنطقي هو انتسابهم إلى نظرة سياسة ترفض المعلومات حول التغير المناخي، وبعبارة أخرى يظهر أن العوامل السياسية تسبق المعطيات العلمية فيما يتعلق بالقضايا الجدالية، كما أن تبديد المعلومات المضللة ونشر أخرى صحيحة ليس هو العلاج لمشكلة رفض الحقائق العلمية لأن الناس غالباً ما تُخضع مواقفها لمقاييس أيديولوجية، بل إن ذوي التعليم العالي أكثر قدرة على معارضة العلم عبر صوغ حجج ودفوعات أكثر منطقية من غيرهم. والأمر نفسه يتكرر مع مسألة التلقيح ضد الأوبئة والأمراض، فمرة أخرى يقف مناهضو التطعيم على الجانب المعاكس للحقائق العلمية حتى بعدما برهنت العديد من الدراسات العلمية خلو التطعيم من أي مضاعفات تسبب مرض التوحد كما تدعي جماعة الرافضين، هذا فضلا عن استمرار معدلات التوحد لدى الأطفال على نفس الوتيرة حتى بعد إزالة العنصر الذي يعتقد أنه مرتبط بالمرض والمتمثل في الزئبق. لكن هنا أيضاً لا يمكن إرجاع سبب الرفض والتشكك في التطعيم إلى الجهل لأنه حسب دراسة أجرتها دورية طبية مرموقة في أميركا، عام 2009، ترتفع نسبة رفض التطعيم لدى الآباء البيض المنحدرين من العائلات الميسورة الذين حصلوا على تعليم جامعي، رغم أن هذه الشريحة أكثر قدرة على البحث في الإنترنت ومعرفة الأخطار المرتبطة بالامتناع عن تطعيم أبنائهم. ولنتأمل أيضاً الجدل المحيط بخطط التخلص من النفايات النووية الأميركية في ولاية نيفادا والرفض الذي قوبلت به الخطة، رغم تأكيد جل الدراسات العلمية بأن المكان الذي ستدفن فيه النفايات آمن ولا يشكل أي خطر على سلامة السكان وصحتهم. والحقيقة أن التجارب الثلاث من الرفض الشعبي للحقائق العلمية تؤكد مسألة واحدة وهي أن جماعة العلماء الذين يريدون من الرأي العام الاقتناع بآرائهم، عليهم أن يبذلوا أكثر من بسط المعطيات والحقائق. فمع أهمية العلم لا يمكن الاعتماد عليه لوحده في إنهاء الخلاف وتطمين الناس دون مصاحبته بتفهم مخاوف الجمهور والاستماع لهواجسهم المستندة غالباً لمواقف سياسية وأيديولوجية. وبهذا الإصغاء الجيد للجمهور يمكننا مثلا فهم إن إنكار التغير المناخي مرتبط بالنظرة الاقتصادية المحافظة التي ترفض التدخل الحكومي لفرض قيود على الانبعاثات الكربونية. وبالمثل يبدو أن الممتنعين عن تطعيم أبنائهم ينتمون إلى شريحة المتشككين في شركات صناعة الأدوية والمرتابين في المؤسسة الفدرالية للأبحاث الطبية. أما مقاومة سكان نيفادا لخطة التخلص من النفايات النووية فناتجة عن تساؤل مشروع للأهالي عن سبب اختيار ولايتهم لتصبح مكب نفايات أميركا كلها وليس ولاية أخرى. لذا يتعين قبل طرح حلول علمية لمشكلات قائمة وإبداء الشكوى من عدم تجاوب الجمهور، ثم اتهامه بالجهل، إطلاق نقاش عام يفسح فيه المجال للرأي العام كي يعبر عن مخاوفه، ويتنازل العلماء قليلا عن موقفهم المتعالي بالإصغاء إلى عموم الناس والتفاعل مع انشغالاتهم. كريس موني كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"