"تكلفة الحفاظ على الأمر الواقع أرخص كثيراً من تكلفة السلام"! هذه مقولة يعتقد كثيرون في إسرائيل وخارجها أن سياسات حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة ترسخها! فهذه الحكومة تؤكد، بالممارسة، "إيمانها" العميق بالمقولة أعلاه، الأمر الذي جعلها حكومة معنية بإدارة الصراع دون تقديم "تنازلات" استراتيجية رغم إمكانية طرح "تنازلات" تكتيكية أحياناً. وهذا الحال -كما هو متوقع- زاد من تشاؤم كل المعنيين بالتسوية و"السلام". فها هو، على سبيل المثال لا الحصر، البروفيسور الإسرائيلي "مناحيم كلاين" يعلن، في كتاب جديد سيصدر قريباً، تشاؤمه محذراً من أنه لم يعد هناك أي حل آخر يمكن تطبيقه سوى قيام الدولة ثنائية القومية، خاصة بعد اتضاح مناورات حكومة نتنياهو الهادفة إلى تجنب حل أي من القضايا الرئيسية (القدس، المستوطنات، الحدود، اللاجئين، والسيادة). فهذه الحكومة تعرض -من الناحية العملية- "كياناً فلسطينياً تحت الاحتلال"، مع استمرار إسرائيل في تحكمها بالغلاف الخارجي لهذا الوليد المشوه. والحال كذلك، فإن الجو السائد -حقاً- تشاؤمي وربما محبط، خصوصاً مع تصاعد الآمال ومن ثم تلاشيها، وبالذات عندما يبدو الحاكم الإسرائيلي اليوم وكأنه مقتنع بعدم وجود ضرورة للحل. فالعيش وراء جدار الفصل العنصري -في منظور ذلك الحاكم- "يحل كافة المشاكل"، و"الاستيطان مستمر"، و"القدس عاصمتنا الأبدية"! غير أن هذا الطرح، أو السيناريو، يعكس قصوراً في العقلية الإسرائيلية المتطرفة الحاكمة، حيث يطغى عليها التأسيس الديني (الخرافي النزعة) للأشياء والتصورات ومدركات فهم ما يجري، فيقع التخبط في الأحكام وفي فهم الواقع. إذن، رغم كون النظام السياسي الإسرائيلي مثقلا بانقسامات داخلية عميقة (أيديولوجية وإثنية واقتصادية) فإنه متفق بشأن ما يخص التعامل الاستعماري مع الفلسطينيين. أما الفلسطينيون فمنقسمون في كيانين مجزئين أو أكثر. وموجة التفاؤل التي سادت الساحة الفلسطينية في ظل الجهود العربية الأخيرة لإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي تلاشت، وبات التساؤل ضرورياً بشأن ربطها بحقيقة النوايا العميقة لدى حركتي "فتح" و"حماس" للدخول في حوار جدي ينهي الحالة الفلسطينية الراهنة. ويتزايد عدد الذين باتوا مقتنعين (فلسطينياً وعربياً وإسلامياً) بأن الطرفين لا يدركان تماماً المسؤولية الملقاة على عاتقهما تجاه القضية الفلسطينية، إذ هما يدخلان في مناورات سياسية تعطل مسيرة الحوار الوطني والجهود المبذولة لوضع حد للانقسام الذي بات يتهدد وحدة النظام السياسي الفلسطيني بشكل سيقود إلى أوضاع أكثر كارثية وتعقيداً على مختلف الأصعدة. وفي هذا السياق، تستنفد سياسات إسرائيل اليمينية المتطرفة جزءاً مهماً من رصيدها الدولي ومن رصيد الولايات المتحدة التي أعلنت غضبها وانزعاجها من سياسات الدولة الصهيونية. وتأكيداً لكل هذا، يبرز تصريح بترايوس عن كون "الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تميل إلى إسرائيل يفرخ العداء لأميركا ويعزز من نفوذ القاعدة". بل إن بترايوس رفع إلى رئيسه أوباما تقريراً تمنى فيه أن "يأمر الرئيس بوضع القطاع والضفة تحت حماية الجيش الأميركي". كما يوجز تصريح رئيس "الموساد" للصحف الإسرائيلية المسألة خير إيجاز فيقول: "تتحول إسرائيل بالتدريج من سند للولايات المتحدة إلى عبء عليها". ويحذر: "عدم تحقيق تقدم لدفع العملية نحو سلام شامل بين إسرائيل والعالم العربي سيؤدي إلى ضرر كبير في موقف وسمعة الولايات المتحدة في المنطقة". وفي مقال بعنوان "إنقاذ إسرائيل من نفسها"، يكتب نيكولاس كريستوف، في صحيفة "نيويورك تايمز" قائلا: "على أوباما أن يضغط بقوة لإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، وإقناع إسرائيل وتشجيعها على التخلي عن خططها باعتراض أساطيل المساعدات الأخرى المتجهة إلى غزة وإلا حلت الكارثة بإسرائيل وأميركا على السواء. وعليه، قبل كل شيء، إقناع إسرائيل بالابتعاد عن نزوعها لإطلاق النار على قدمها، وعلى قدمنا معها". ورغم هذا ما زال أصحاب الفكر الاحتلالي في الحكومة الإسرائيلية ينظرون للواقع الراهن وكأنه حال أبدي ودائم رغم تزايد الوعي العالمي بالبشاعة الإسرائيلية، وتنامي عزلة الدولة الصهيونية في ظل التحركات الكبيرة الساعية إلى نزع الشرعية عن إسرائيل وكشف عوراتها، ذلك أن العالم لم يعد يقبلها كدولة "استثنائية" أو دولة "فوق القانون". فوزراء الحكومة الإسرائيلية يتناسون أو يتجاهلون الواقع القائل بأنه، مع استمرار الصراع الفلسطيني الصهيوني، واستمرار دولة الاحتلال في سفك الدماء، ستنتشر الراديكالية ليس في الجانب الإسرائيلي فحسب -وهذا ملموس وواضح- بل لدى الطرف الآخر (الفلسطيني والعربي والمسلم) الأمر الذي ستزداد معه قوة وتحركات التيارات الدينية (والقومية) لدى مختلف الأطراف مما يحول الصراع إلى "حرب دينية قومية" لا تنتهي. إذن، القول إن هذا كله أرخص من الاستثمار في السلام إنما يكشف عن جهل وخطر كبيرين. وهنا يمكن لنا أن نستعير ونقولب عبارة شهيرة فنقول: يمكن للمرء أو للدولة أن تشن "حرباً ضد السلام"، وهذا ما تفعله إسرائيل، لكنها لا تستطيع أن تقرر سلفاً مصير هذه الحرب! وكانت عبارة المؤرخ البروسي العسكري كارل فون كلاوزفيتس قد اشتهرت حين قال: "لك أن تبدأ الحرب ولكن ليس بوسعك دائماً التحكم بنتائجها". فتوجهات نتنياهو وحكومته ستؤدي إلى تردي الأمور وإلى مزيد من المغالاة بحيث يتفاقم الصراع بشكل حاد نحو الأبعاد الدينية والقومية آنفة الذكر، وعندها ستكون الأوضاع مرشحة للانفجار وربما الدمار، وبالتالي فإن سيناريو "الإبقاء على الوضع الراهن وعدم تحقيق تسوية" ستكون تكلفته باهظة! فالتعاطي مع القضية الفلسطينية بخيار "الحل الإسرائيلي المفروض" أمر خطير للغاية. ذلك أن شواهد التاريخ تشير بوضوح إلى أن اندلاع نار النزاعات المحلية، بل والإقليمية، لن تنتظر إذنا أو تصريحا من أحد إن استمر الاحتلال الإسرائيلي ومقارفاته ضد فلسطين والفلسطينيين. فهل تؤرق القضية الجوهرية عند الغرب، وهي تحول إسرائيل إلى كيان سياسي "طبيعي" في المنطقة، قادة هذا الكيان؟