يتعاظم دور الإعلام في ظل الأزمات الدولية والصراعات الإقليمية والحروب وأحداث العنف المختلفة، لاسيما في العالم العربي ومحيطه. وتأتي أهمية دور وسائل الإعلام من كونها لا تظل بمنأى عن التطورات والأحداث التي تنقلها، بل تؤثر في الكيفية التي تضفي بها المعاني على الأشياء والمواقف، ومن ثم الطريقة التي تتشكل من خلالها المدركات والتصورات السائدة. وفي الكتاب الذي نعرضه هنا، يلقي مؤلفه فتحي حسين عامر الضوء على "معالجة الإعلام لقضايا الوطن العربي"، مركزاً بصفة خاصة على معالجة الصحافة المصرية لتلك القضايا، وعلاقتها بمستوى معرفة الجمهور المصري. وكما يؤكد المؤلف فإن تغطية الصحافة المصرية، كأية تغطية صحفية أخرى، تتأثر بعدد من العوامل والظواهر، أهمها: سمات النظام الصحفي المصري، وموقع مصر في الوطن العربي، وسياستها الخارجية في عهد الرئيس مبارك، وتأثير وكالات الأنباء في معالجة القضايا العربية في الصحف، والعلاقات العربية العربية وأثرها على التغطية الصحفية للقضايا العربية، وتأثير الإعلان في معالجة الصحف للقضايا التي تتناولها. واعتماداً على منهج تحليل المضمون، يتطرق الكتاب إلى قضايا عربية هي: فلسطين، وعراق ما بعد الغزو الأميركي، وأزمة إقليم دارفور، كما عالجتها ثلاث صحف مصرية هي: "الأهرام" (حكومية)، و"الوفد" (حزبية)، و"الأسبوع" (مستقلة). وفي هذا الخصوص يتضمن الكتاب دراسة تحليلية حول فنون التحرير الصحفي المستخدمة من طرف هذه الصحف الثلاث في تناول القضايا العربية، سواء فيما يتعلق بالأخبار أو التحقيقات أو مواد الرأي. كما يتطرق إلى مصادر الصحف المذكورة أيضاً في نشر القضايا العربية، ومضمون هذه القضايا، والعناوين التي تنشر بها، وأنواع الصور والرسوم والألوان المستخدمة في نشرها. ثم يعرض لموقع القضايا العربية المنشورة في تلك الصحف، والحيز الذي تأخذه في صفحاتها، ونوع المعالجة الذي يغلب على تناولها. وتكشف نتائج الدراسة التحليلية لمجتمع البحث، وهو أعداد "الأهرام" و"الوفد" و"الأسبوع" المنشورة خلال عام 2007، زيادة درجة الارتباط بين معالجة قضايا العراق بعد الاحتلال الأنجلو أميركي، والتداعيات الفلسطينية للصدام بين "فتح" و"حماس"، وتفاعلات أزمة إقليم دارفور بغرب السودان. وقد جاء الخبر القصير والحديث الإخباري والمقال التحليلي في مقدمة فنون التحرير الصحفي التي استخدمتها الصحف في معالجة القضايا العربية المنشورة على صفحاتها خلال الفترة المذكورة. ومن حيث الموقع، يلاحظ المؤلف أن صحف الدراسة لم تهتم بنشر الأخبار العربية ذات الصلة بالعراق وفلسطين والسودان على صفحاتها الأولى والأخيرة، مكتفية بنشرها في الصفحات المتخصصة، الأمر الذي يشير إلى اهتمام محدود بنشر القضايا العربية على نحو جاذب وظاهر للقراء. وفيما يخص المساحة، فقد جاءت مساحة ربع الصفحة في المرتبة الأولى بين المساحات المخصصة لنشر القضايا العربية. ثم رتب المؤلف تنازلياً المصادر التي اعتمدت عليها صحف الدراسة كالآتي: وكالات الأنباء الإقليمية، المراسل الصحفي، وكالات الأنباء العالمية، أكثر من مصدر (المراسل والوكالات)، كتاب الصحيفة، كتاب الصحف الأجنبية، المندوب الصحفي، المصادر المجهولة، المصادر الأخرى، الصحف العربية، وأخيراً الفضائيات العربية والأجنبية. ثم يوضح أن أسلوب المعالجة الموضوعية احتل المرتبة الأولى (بنسبة 52?) بين طرائق المعالجة التي استخدمتها الصحافة المصرية في التعاطي مع القضايا العربية المنشورة على صفحاتها. بينما جاء في المرتبة الثانية، وبنسبة 47?، أسلوب المعالجة المتحيزة، مما يشير إلى تأثر كل صحيفة بنوعية ملكيتها والسياسة التحريرية التي تنتهجها. ويتوقف المؤلف عند بعض النسب والمؤشرات كما أظهرتها نتائج الدراسة التحليلية، ليقول إن ثمة علاقة محدودة بين معالجة الصحافة المصرية للقضايا العربية ومستوى معرفة الجمهور بها، حيث "بدا دور الصحافة المصرية ضعيفاً للغاية، لدى الجمهور المصري، من حيث اعتماده عليها في الحصول على المعلومات حول القضايا العربية موضع الدراسة". وقد جاء اعتماد الجمهور المصري على الصحافة المصرية في مرتبة متأخرة مقارنة بالتلفزيون المصري والفضائيات العربية والأجنبية، والمواقع الإلكترونية، مما يعني أن الصحافة المصرية لا تشارك إلا بفعالية محدودة في التقريب بين الجمهور المصري وقضاياه العربية، أو بالأحرى لا تدفعه للتعرف على هذه القضايا وتوضيح الأطوار التي مرت بها ومن ثم حثه على المشاركة فيها والتوحد معها والعمل لأجلها. وفي ذلك -حسب المؤلف- ما يجعل الصحافة المصرية والعربية عامة في موقف حرج ومتأخر أمام سيل الأخبار الفورية والمباشرة عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية... وإن بقي للصحافة أن تحتفظ بميزة التعمق في نشر الأحداث وشرحها وتحليلها عبر مساحات كبيرة وصفحات متنوعة. ورغم تأكيد المؤلف على أهمية الدور الذي ينبغي أن تقوم به الصحافة تجاه القضايا العربية، فهو لا يعارض صيحات الرفض والاحتجاج ضد التصور التقليدي لدور الصحافة المصرية في التنوير والتثقيف، بل يطالب بتصور إيجابي لدور هذه الصحافة، يرتكز على التفاعل الخلاق مع قضايا المجتمع الداخلي والخارجي، وتسخير فنون التحرير الصحفي، والإمكانات المادية والفنية للميديا الجديدة، لخدمة القضايا العربية عامة ودون استثناء. محمد ولد المنى الكتاب: معالجة الإعلام لقضايا الوطن العربي المؤلف: فتحي حسين عامر الناشر: العربي للنشر والتوزيع تاريخ النشر: 2010