سرعان ما تحول هذا الكتاب الذي نشر للتو "الإبطال... كيف نقاوم الطغيان الفيدرالي في القرن الحادي والعشرين"، لمؤلفه المؤرخ توماس إي. وودز، إلى مرشد عام لحركة إبطال القوانين الجديدة -التي يعتقد الناشطون بتعارضها مع نصوص الدستور الأميركي- وهي حركة تسري في أوساط المجتمع الأميركي وشتى الولايات كما تسري النار في الهشيم، على حد اعتقاد البعض. ويحاول الكتاب إلقاء الضوء على تقاليد ولاية نيو إنجلاند في إبطال القوانين، إلى جانب محاولة إحياء المبادئ التي قامت عليها حركة إبطال القوانين، استناداً إلى مبادرات كل من جيفرسون وماديسون في عام 1798، وكذلك القرارات الصادرة عن ولايتي كنتاكي وفرجينيا. ومن رأي وودز أن إبطال القوانين يمثل خط الرقابة الدستورية الأخير على اتساع الجهاز الحكومي وتمدد سلطاته القهرية. وفيما يتصل بعلاقة الحكومة الفيدرالية بالولايات، يلفت الكاتب الانتباه إلى أن النظام الفيدرالي اشتقاق وتفريع عن الولايات وليس العكس، أي أن تظل الكلمة الأخيرة في التشريع للولايات وليس للحكومة الفيدرالية. وتحت أسوأ الفروض يحق للولايات أن ترفض إنفاذ القوانين والتشريعات الصادرة عن الحكومة الفيدرالية متى ما اعتقدت الولايات بعدم دستورية تلك القوانين والتشريعات. وحسب رأي وودز فإن المسألة الجوهرية التي يتصدى لها إبطال القوانين هي أنه ليس في وسع الحكومة الفيدرالية المفوضة من قبل الناخبين لممارسة السلطات المحددة التي منحت لها، أن توسع من صلاحياتها وتحيلها إلى صلاحيات مطلقة لا حدود لها. فذلك أمر غير دستوري في الأساس. ويقول الكاتب إنه ينبغي للأميركيين أن يكونوا قد تعلموا هذا الدرس الآن. وطالما لم تؤد الجهود السلمية التي بذلت حتى الآن للحد من تمدد واتساع سلطات الحكومة الفيدرالية إلى أي نتائج يعول عليها، فإن على الناخبين ألا يتخلوا عن حقهم في مناهضة القوانين والتشريعات التي تصدرها الحكومة الفيدرالية متى ما رأوا فيها تعارضاً مع المرجعية الدستورية. ويصف المؤلف هذا الخيار بأنه ذكي ومبتكر وفعال، وأنه سبقت التوصية به من قبل خيرة وأعظم المفكرين السياسيين الأميركيين عبر العصور. ويعود مبدأ إبطال الولايات للتشريعات الفيدرالية إلى الأب المؤسس توماس جيفرسون، الذي أرسى هذا المبدأ في قرار ولاية كنتاكي الصادر عام 1798، وكذلك قرار ولاية فرجينيا، الذي أصدره جيمس ماديسون في العام نفسه. وقد صدر كلا القرارين رداً على نصوص قوانين "الأجانب والتحريض على العصيان"، وقد اصطلح على كليهما اسم "مبادئ 98". وفي قرار فرجينيا أكد جيمس ماديسون واجب الجهاز التشريعي الولائي على التدخل بين تمدد وطغيان صلاحيات الحكومة الفيدرالية والمواطنين الذين يقعون أحياناً ضحية للتشريعات غير الدستورية التي تصدرها الحكومة الفيدرالية. أما في قرار كنتاكي، فقد دفع جيفرسون بأن تحفظ للولايات سلطة الحكم على مدى دستورية القوانين والتشريعات الفيدرالية. وفي الوقت نفسه أسهب ماديسون في تفصيل مسؤوليات وواجبات الولايات في القيام بدورها وفقاً للتفويض التشريعي الذي منح لها. وفي خلاصة الأمر، فإن الغاية النهائية التي يسعى إلى تحقيقها مبدأ إبطال القوانين الفيدرالية هي حفظ ما وصفه الكاتب بـ"الحق السيادي" للولايات في علاقتها بالحكومة الفيدرالية، طالما أن السلطة النهائية هي للشعب وليست للحكومة الفيدرالية التي انتخبها. وحسب وودز، فقد أقر التعديل الدستوري العاشر هذا المبدأ السيادي للولايات وأعطاه صفة القانون. ذلك أن الولايات هي التي تنشئ الحكومة الفيدرالية وليس العكس. وربما يبدو موضوع الكتاب من خلال العرض الموجز الذي قدمناه موضوعاً قانونياً مجرداً بشأن العلاقة التشريعية التي تربط بين واشنطن ومختلف الولايات الأميركية. فهذا هو الوجه العلني والظاهر منه. غير أن الغوص في مضمون الكتاب يكشف عن وجه سياسي قصد منه الكاتب أن يكون خفياً ومستتراً بقدر المستطاع وراء ما يبدو موضوعية علمية في تناول القانون باعتباره ظاهرة تاريخية تقع في نطاق اختصاص المؤلف ونشاطه في مجال البحث والدراسات. لكن تصعب من الناحية العملية قراءة الكتاب في سياقه النهائي دون الربط بينه وبين حركة المعارضة القوية النشطة التي ينظمها المحافظون والجمهوريون ضد إدارة أوباما. فهناك "حفلات الشاي"، والأدبيات الواسعة التي ينشرها المحافظون في إطار مناهضتهم للإدارة الحالية والسعي لإسقاطها بشتى السبل والوسائل. وهنا يضيف الكاتب وودز بعداً جديداً لهذه الحركات يتلخص في الحض على مناهضة الإدارة قانونياً. وفي الكتاب نفسه يتطرق المؤلف إلى حق الولايات في مناهضة قانون إصلاح الرعاية الصحية وغيره من التشريعات التي يرى فيها المحافظون خطراً على القيم الديمقراطية الأميركية. وبلغت حملة المعارضة هذه حداً وصف فيه أوباما بتدبير مؤامرة شعبوية اشتراكية على الديمقراطية الأميركية، حتى أن بعضهم نعته في كتاب كامل بأنه "الرئيس المنشوري"! عبد الجبار عبد الله الكتاب: الإبطال... كيف نقاوم الطغيان الفيدرالي في القرن الحادي والعشرين المؤلف: توماس إي. وودز الناشر: ريدجني آند إيجل تاريخ النشر: 2010