صيحات وهزات متتالية في سماء وأرض الكويت، هي نوع من الحركات الاهتزازية الجيوسوسيولوجية، نشعر بقوتها على مقياس الديمقراطية وليس "رختر"، لكن الشعور بالاهتزاز بحاجة إلى درجة عالية من الشفافية والإحساس، والسعيد من ليس لديه إحساس أو من وضع أحاسيسه بالثلاجة وأغلق عليها. ولعل هذا هو همنا مع الديمقراطية الكويتية. قبل فترة قصيرة قامت الدنيا على شبكة التجسس الإيرانية التابعة للحرس الثوري، وفجأة يطلب منا أن نتوسد وسادتنا بحكم القانون ولا نكتب حولها. وفي حالة الاسترخاء الجبرية يخرج علينا "جنتي"، سفير إيران لدى الكويت، ويرمي بجُمل الوداع، وقد قذف السياسات العربية، وكأنه يقول لنا إن إيران هي كفيل الحرية، وهي من سيحرر أراضيكم المحتلة من إسرائيل! وتمنيت لو كنت معهم لغافلته بسؤال حول سفينة الحرية، وكيف فات بلاده أن تحرك مياه الخليج، ولا أعرف هل أقول العربي أم الفارسي! لكن المهم، أننا كنا نتمنى أن تخرج البوارج حاملةً المعونات لأهلنا في غزة، لا سيما وقد سبقت تركيا لتعلن أن مهمة تحرير فلسطين لم تعد عربية، وطبعاً معها كل الحق، ففلسطين إسلامية أيضاً. لكني كنت أتذكر جورج حبش، المناضل لأجل تحرير بلاده وقد كان مسيحياً، فماذا تراه يقول لو رأى ما حل بنا من فوضى! رجعت مرة أخرى وقلت: هل هو تنافس بين تركيا وإيران، أم أنه -كما يقال لنا في بلاد الإسلام- إن الله سخر لنا هؤلاء القوم ليقوموا بمهامنا ونحن جالسون نتفرج ونقطف العنب! لا أعرف ماذا يحدث لنا وفينا، هل هو سخط السماء! لكني أعود وأقول لنفسي: السماء صافية واللعنة في النوايا الخفية، فاليوم اختلط كل شيء علينا. لبنان لم تعد عربية، وإن كانت عضواً في الجامعة العربية. لكن لعلهم يضمون إلى هذه الأخيرة إيران أيضاً، فهي اليوم ذات دور لا يمكن إغفاله؛ لا سيما أنها تشترك معنا في صنع السياسة العربية من نواحٍ عديدة. ورجعت بي الذاكرة، فقلت: لعله التاريخ يعود لنا ويعيد أمجاد الدولتين، العثمانية والصفوية، لكن كيف تكون الحال العربي لو عادت هاتان الإمبراطوريتان؟ هل هي هلوسة كويتية؟ ربما، فنحن نعيش زمن الاهتزاز والانفلات، فلا نعرف إلى أين نسير، وما أصعب أن يجهل المرء طريقه في وضح النهار، فربما هذا هو عمى النهار أو جمود الإحساس مع الصيف الساخن الذي عطل خلايا المخ. كلما تكلمنا عن الهدوء والتهدئة، عادت فجأة معارك الجاهلية وفاحت علينا رياح تخفي في طياتها موجات الكراهية. قلت لنفسي: كلهم يدعون الوطنية، وكلهم يرفعون شعار محاربة الطائفية، لكنهم جميعاً طائفيون، إذ لم يعد للوطن حسابه، بل يبدو أن الحسابات الإيرانية في البنوك الكويتية قد فعلت فعلها مع البعض، فهذه صحف تتحدث باسمهم... طبعاً هذه هي الديمقراطية! ماذا يريدون لبلادي؟ ولماذا يتطاحنون؟! يبدو أننا لا نتعلم من التاريخ، أو هذا هو اختيارنا بعد أن قررنا أن نضع أحاسيسنا في الثلاجة لكي لا نتعب من التفكير، ونترك المعارك تشتعل ولعلها تأكل بعضها بعضاً. دفعت بالخوف بعيداً، وحمدت الله أن الكويت مليئة بسيارات الإطفاء، ولسنا بحاجة إلى إطفائيات أشقائنا في الخليج، فنحن أصبحنا نملك براءة اختراع إطفاء حرائق النفط.