منذ فجر النهضة العربية الحديثة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، بدأ يتكوّن بعض الوعي بضرورة التأسيس لدولة أو لـ(مؤسسة) تكون بمثابة الناظم للمشروع السياسي العربي والمدخل إليه· وقد راح يتبلور هذا الوعي في ضوء ثلاثة محاور كبرى واجهها العرب والمسلمون المنضوون تحت مظلة الإمبراطورية العثمانية في حينه، وهي التالية:
1 ـ النزوع إلى الاستقلال بقدر أو بآخر وبمعنى أو بآخر عن تلك الإمبراطورية.
2 ـ تحديث (تطوير) العالم العربي بولاياته وأقطاره المختلفة ·
3 ـ التعامل مع الغرب الآخذ بالتصاعد اقتصاداً وسياسة وثقافة وقوة عسكرية، والطامح إلى اكتشاف (حقول حيوية) يسوّق إليها منتجاته المادية وقيمه الثقافية والأخلاقية ·
في ظل تلك المحاور الكبرى، كان على العرب والمسلمين المعنيين أن يشقوا طريقهم، مع العلم بأنهم كانوا قد دخلوا المحورين الأول والثاني قبل بروز المحور الثالث في حياتهم، أي قبل بروز عملية التّماس بينهم وبين الغرب الحديث، على النحو الذي أخذ يتم مع دخول نابليون الفرنسي إلى مصر وإحداثه (صدمة) فكرية وسياسية، ما فتئت أن وجدت بعض الصدى في بعض البلدان العربية، وخصوصاً الشامية منها· كان شعور العرب والمسلمين يتعاظم باتجاه ضرورة (لمّ الشمل) في رحلة تاريخية أخذت تطرح عليهم استحقاقاتها: إن الاستقلال عن الإمبراطورية العجوز سيفضي إلى الدخول في عالم آخر هو الغربي الجديد· ومن ثم، فإن تلك الضرورة لـ(لمّ الشمل) تغدو بمثابة صمام أمام لهم· وهذا ما تمخض عن مسألة ثم عن مفهوم (الدولة) وما يقتضيه من مفهوم (الوطن)·
كان رفاعة رافع الطهطاوي واحداً من أوائل من التقط فكرتي الدولة والوطن، اللتين كانتا في مقدمة الأفكار التي يتأسس عليها مشروع سياسي عربي، في ضوء ذلك، كان ممكناً أن يعلن الطهطاوي إياه عبارة ربما لخّصت أهم الاستحقاقات، التي وجد العرب والمسلمون أنفسهم أمامها: (فليكن هذا الوطن مكاناً لسعادتنا أجمعين، نبنيه بالحرية والفكر والمصنع)· لقد وضع الطهطاوي يده على المفصل الحاسم في عملية التأسيس للمشروع السياسي العربي، وأبرز -من ثم- نقطة الخلاف والصدام مع الغرب المأتي على ذكره· إنها النقطة المتصلة بـ(سياسية) المشروع المذكور· فأن يعمل أولئك على تلقّف تكنولوجيا الغرب (ولن يحصّلوا بالطبع إلا بسيطها والمهيّأ منها لأغراض استهلاكية)، أمر محتمل، ويمكن أن يتساهل به ذلك الغرب تمويهاً لمسألة التحديث وتشجيعاً لنشوء مجتمع عربي استهلاكي غير مُنتج، ولكن أن يحاولوا أي (العرب والمسلمون) التأسيس لمشروع سياسي نهضوي يضع يده على ضرورات التكنولوجيا والصناعة والعلم، فإن هذا يدخل في حقل المحظورات ·
بهذا الاعتبار، صحّ رأي من يرى من الباحثين العرب أنه لم يكن من المصادفة أن تأتي عملية التدفق الاستعماري الغربي نحو الوطن العربي في سياق ظهور ا لإرهاصات الأولى للمشروع السياسي العربي، مجسداً خصوصاً بالدعوة لإقامة مؤسسات سياسية دستورية تندرج في إطار دستور وطني يضبط الحياة السياسية والحزبية والتشريعية والقضائية والتنفيذية وغيرها· فكان أن جاء احتلال بريطانيا لمصر، مثلاً، بعد انتفاضة عرابي باشا في مصر والتي كان من أهم مطالبها إصدار دستور وطني يؤدي إلى الإقرار بهيئات نيابية تمثيلية· بل إذا أردنا السير خطوة أخرى إلى أمام، وجدنا أن من أكبر العوائق، التي وقفت في وجه المشروع النهضوي والتنويري العربي،كان ذلك الذي حددناه، وهو غياب التأسيس لهذا الأخير بمشروع سياسي دستوري، تأتي عملية التحديث التقني والصناعي والتكنولوجي في سياقه المفتوح· ولعلنا، في هذا، نكون قد أشرنا إلى اختلاف حدث في الواقع العربي النهضوي الحديث مع ما حدث في الواقع الغربي النهضوي الحديث، الذي ربما كانت عملية التحديث تلك سابقة فيه نسبياً على المشروع السياسي· والسؤال الآن، أما زال ذلك راهناً في الواقع العربي الراهن؟