حدثان استرعيا اهتمام وسائل الإعلام خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، وظهرت في مقدمتهما "سيسليا مالمستروم"، مفوضة الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية... أولهما البيان المشترك الذي أصدرته مع "كاثرين آشتون"، مفوضة العلاقات الخارجية للاتحاد، وقد رحبتا فيه بإطلاق سراح المواطن السويسري الذي كان معتقلا في ليبيا على خلفية الأزمة الناشبة بين طرابلس وبيرن، وقد تطلبت مجهودات مضنية من مسؤولي المفوضية الأوروبية، ومنهم مالمستروم نفسها. أما الحدث الثاني فهو إعلان مالمستروم عن مشروع اتفاق جديد تقدمت به إلى البرلمان الأوروبي حول تبادل البيانات المصرفية بين دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، في إطار مكافحة تمويل الإرهاب. وكما قالت مالمستروم فإن مشروع الاتفاق الجديد "شهد تحسناً كبيراً في بنوده مقارنة مع الاتفاق المؤقت الذي رفضه البرلمان من قبل". وكانت المفوضية، وهي الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، قد فشلت في إقناع البرلمان بمشروع اتفاق قدمته إليه في فبراير الماضي. لكن مالمستروم تؤكد أهمية التغييرات الحالية، بالقول إن هذا الملف كان شغلها الشاغل منذ أول يوم تولت فيه منصبها الأوروبي. وتشغل مالمستروم، وهي سياسية سويدية في بداية عقدها الخامس، منصب المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية، منذ 10 فبراير الماضي حين تم تنصيب المفوضية الجديدة من طرف البرلمان الأوروبي. وكان رئيس المفوضية الأوروبية السابقة، خاوسيه مانويل باروسو، قد وعد الحكومات الأوروبية التي ترشح نساء لمناصب المفوضية بالحصول على مراكز ثقيلة ومهمة، فقدم رئيس الوزراء السويدي "فريدريك راينفيلدت" اسم مالمستروم كمرشحة لمنصب في المفوضية، في نوفمبر 2009، عقب إجماع داخل حكومة ائتلاف الأحزاب الحاكمة، وبتأييد من أحزاب المعارضة أيضاً. وذلك اعتباراً لخبرة مالمستروم وكونها تعاملت مع العديد من القضايا والملفات الأوروبية؛ سواء خلال مأموريتها في البرلمان الأوروبي، أو حين كانت وزيرة للشؤون الأوروبية في الحكومة السويدية، أو قبل ذلك خلال نشاطها الأكاديمي. وقد اختزن مسار حياة "آن سيسليا مالمستروم" التي تعيش حالياً مع زوجها وتوأميها في "غوتبرغ"، تجارب تلخص الكثير من تباينات القارة الأوروبية وتنوعها الثقافي؛ فقد ولدت في العاصمة السويدية استوكهولم عام 1968، ونشأت في غوتبرغ (ثاني أكبر مدينة في البلاد)، ثم بدأت حياتها العملية في فرنسا، وأقامت عدة أعوام في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وتعلمت إلى جانب السويدية (لغتها الأم)، الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية. وكانت محطتها الأوروبية الأطول في فرنسا، حيث انضمت إلى مجموعة skf السويدية العملاقة كمترجمة ثم كإدارية، ودرست الأدب الفرنسي في جامعة السوربون بباريس، قبل أن تنتقل إلى شتوتغارت بألمانيا، ومنها إلى جامعة "غوتبرغ" حيث قدمت، في عام 1998، أطروحة بعنوان "الإقليم والسلطة والسيادة: الكيانات الإقليمية في أوروبا الغربية"، نالت عنها شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، ثم أصبحت أستاذاً مساعداً في السياسة الأوروبية، وقضايا الهجرة والإرهاب. وإلى جانب عملها الأكاديمي، كانت سيسليا عضواً نشطاً في "حزب الشعب الليبرالي" الذي انضمت إليه منذ عام 1980، ثم أصبحت عضواً في لجنته التنفيذية في عام 1997، ولدى انتخاب "بجوركليند" رئيساً للحزب في يناير 2007، تم انتخابها نائباً له كأول امرأة تتولى ذلك المنصب. وكما انتخبت على قوائم الحزب لعضوية المجلس الإقليمي لـ"فاستراغوتولاند" بين عامي 1998 و2001، انتخبت كذلك عضواً في البرلمان الأوروبي عن السويد عام 1999، ثم أُعيد انتخابها للمقعد نفسه في عام 2004. وخلال فترتيها في البرلمان الأوروبي، عملت في لجان الشؤون الخارجية، والدستور الأوروبي، والسوق الداخلية، وفي لجان حقوق الإنسان والأمن والدفاع، كما كانت ضمن اللجنة المعنية بملف انضمام المجر وكرواتيا إلى عضوية الاتحاد عام 2004. وبعد الانتخابات السويدية لعام 2006، والتي شهدت فوز ائتلاف يمين الوسط بقيادة "راينفيلدت"، تولت مالمستروم حقيبة الشؤون الأوروبية في أكتوبر من ذلك العام. وشملت مهامها مراجعة القضايا المؤسسية للاتحاد، وميزانيته السنوية، واستراتيجية بحر البلطيق، واتفاقية لشبونة، والرئاسة الدورية السويدية للاتحاد. وتعد مالمستروم من أشد مؤيدي انضمام السويد إلى منطقة اليورو، وقد نشطت في حملة استفتاء عام 2007 على عضوية اليورو، وفي الاستفتاء المماثل الذي سبقه في عام 2003. وعلقت على نتائج الاستفتاءين بالقول: "نحترم النتيجة بطبيعة الحال، لكن مياهاً كثيرة جرت بعد استفتاء عام 2003، وقد خسرت السويد اقتصادياً بعدم انضمامها إلى العملة الأوروبية الموحدة"، ثم أضافت: "لقد فقدنا 100 مليار كرونو في تجارة الصادرات". وبالطبع فقد أدلت مالمستروم بتصريحها المتحسر هذا قبل الأزمة التي تهدد اليورو حالياً وتكاد تعصف باقتصادات دوله، دون أن ننسى أن حماس الأوروبيين عموماً للاتحاد، قد تراجع عما كان عليه من قبل، ومن ثم جاءت معاهدة لشبونة التي وقعها قادة الاتحاد عام 2007 لإصلاح مؤسساته، عوضاً عن الدستور الأوروبي الذي رفضته كل من فرنسا وهولندا عام 2005. لكن حتى هذه المعاهدة التي أعادت هيكلة المفوضية الأوروبية، وهي الجهاز التنفيذي للاتحاد، فأوجدت منصب المفوض المكلف بالشؤون الداخلية... أبقت على الكثير من الغموض حول الحدود الفاصلة بين اختصاصات رئيس الاتحاد وممثله الأعلى للشؤون الخارجية، وبين هذا الأخير والمفوض المكلف بالشؤون الداخلية. ومن ذلك أن مشروع الاتفاق مع واشنطن حول مكافحة تمويل الإرهاب، والمقدم يوم الجمعة الماضي إلى البرلمان الأوروبي، كان يفترض أن تقدمه مسؤولة العلاقات الخارجية "آشتون" وليس مالمستروم، أو على الأقل أن يكون ملفاً مشتركاً تدرسه مفوضيتا الشؤون الداخلية والخارجية وتقدمانه معاً. لكن الانتقادات الموجهة ضد مشروع الاتفاق باعتباره انتهاكاً لخصوصيات الأفراد، كانت غالباً من نصيب مالمستروم التي يتذكر كثيرون وعداً أطلقته عند تعيينها في هذا المنصب، حين قالت إنها "لن تعلب أبداً دور الشرطي السيئ"! ويقال إن التداخل في خطوط الصلاحيات كان أيضاً أحد أسباب ضعف الأداء الأوروبي في الخلاف السويسري الليبي، وإن كانت الأزمة قد تفجرت بينما لم تكن المفوضية الحالية قد استلمت جميع ملفات عملها بعد! محمد ولد المنى