يتبدى اختبار جدي للقدرة العلاجية للرياضة هنا في جنوب أفريقيا، حيث تتطلع الولايات المتحدة الأميركية وجنوب أفريقيا إلى الرياضيين، علهم يساعدون على إزالة الأجواء المكفهرة المحيطة بقادة البلدين. ففي يوم الثلاثاء الماضي خففت العاصمة الأميركية واشنطن على نفسها كثيراً من عناء بقعة النفط الأخيرة التي انتشرت في مياه خليج المكسيك، بكل ما أثارته هذه البقعة من جدل محتدم داخل مبنى الكونجرس، إذ تقرر تأجيل جلسات الكونجرس حتى يتمكن الأعضاء من مشاهدة نجم كرة البيسبول المتألق ستيفن ستراسبورج. وقد تمكن هذا اللاعب الشاب البالغ من العمر 21 عاماً من منازلة قراصنة بيتسبرج أمام حشد كبير من المشاهدين، تجاوز عدده الـ40 ألف مشاهد، وهو رقم يعادل ضعف ما كان عليه متوسط مشاهدي مباريات البيسبول في مرحلة ما قبل صعود اللاعب ستراسبورج. وقد أثار صعود هذا اللاعب آمالاً لا تقل عظمة عن تلك التي أثارها تنصيب أوباما في المنصب الرئاسي عام 2009، في أن عصر التغيير قد أتى. فمع هـذا الصعود توقع عشاق مباريات البيسبول أن يتجه موسم هذا العام نحو الأفضل، خاصة بعد فوز زميله "برايس هاربر" بالمركز الأول على مستوى منافسات الكليات. وقد كان أداء "ستراسبورج" أكثر من مجرد وفاء بهذه التوقعات، إذ تمكن من تشكيل فريق غير مسبوق مؤلف من 14 لاعباً اختطفوا فوزاَ باهراً بخمس نقاط مقابل نقطتين للفريق المنافس. ولدى جلوسي في الصف السابع من مدرجات المشاهدين، ورؤيتي لهذا اللاعب، وهو يضرب الكرة بسرعة 100 ميل في الساعة، وينفذ التفافاته البارعة في الزوايا الحادة من الملعب، خيل لي أن مبارياتنا القومية في هذه اللعبة سوف تكون دائماً على خير متى ما شارك فيها "ستراسبورج". وتعد هذه المشاعر التي أحاطت بصعود النجم الأميركي "ستراسبورج" ضئيلة ولا يمكن مقارنتها بتلك التي فاضت بها شوارع جوهانسبرج التي انطلقت فيها مباريات مونديال كرة القدم العالمي يوم الجمعة الماضي، حيث التقى الفريق الجنوب أفريقي مع منافسه المكسيكي في أولى مبارياتها. فهذه هي المرة الأولى التي تعقد فيها هذه المباريات- التي تنظم كل أربع سنوات- في إحدى دول القارة الأفريقية، مع العلم أنها المناسبة التي تجذب أضخم عدد من مشاهدي التلفزيون على المستوى العالمي. وما أشد حاجة واشنطن إلى هذه الرافعة التي قدمها لها صعود النجم "ستراسبورج". فقد نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الصادرة يوم الثلاثاء الماضي تقريراً إخبارياً أكدت فيه نتائج آخر استطلاع للرأي العام، أسوأ مستويات التأييد الشعبي لأعضاء الكونجرس الحاليين على الإطلاق، حيث لم تؤكد سوى نسبة 29 في المئة فحسب من الذين شملهم الاستطلاع رغبتها في التصويت مرة أخرى لصالح ممثليهم الحاليين من أعضاء الكونجرس. لكن ومهما تكن الأجواء التشاؤمية التي تسود هنا في العاصمة الأميركية، فهي تكاد لا تقارن بشيء من الصعوبات والمشاكل الكبيرة التي تواجهها جنوب أفريقيا. فهؤلاء الذين يعشقون مشاهدة حلقات الانتصار النهائي للزعيم نيلسون مانديلا، وما حققه فريق "الركبي" الجنوب أفريقي في فيلم Invictus سوف يصابون بخيبة أمل كبيرة لدى قراءتهم آخر التقارير التي نشرتها مجلة ذي إيكونومست عن جنوب أفريقيا في 16 صفحة من صفحات عددها الأخير. فقد توصل التقرير إلى أن المشاكل والتحديات التي تواجه مستقبل جنوب أفريقيا لا تقل خطورة ولا صعوبة عن تلك التي واجهتها من أجل تخطي نظام الفصل العنصري، وبناء ديمقراطيتها الفتية التي لا يزيد عمرها على 16 عاماً. فهي لا تزال تحت حكم حزب واحد هو "المؤتمر الوطني الأفريقي"، ومع استمرار تأثيرات الانقسام العرقي الحاد الذي امتد لعدة قرون منذ أيام الفصل العنصري وهيمنة الأقلية البيضاء، فإن هناك تحديات كبيرة تواجهها جنوب أفريقيا في تحويل ثرواتها المعدنية الهائلة إلى قوة اقتصادية حافزة للتنمية الاقتصادية الاجتماعية والحداثة. وحتى الآن تشير إحصاءات البطالة الرسمية إلى معدل 25 في المئة وليس مرجحاً لمعدل النمو الحالي أن يحدث أي خفض فيها. وعلى رغم سعة برنامج الرعاية الاجتماعية المطبق في البلاد، فلا تزال الفجوة الاجتماعية كبيرة جداً بين المواطنين. فبينما يعيش معظم البيض حياة ميسورة نوعاً ما، يلاحظ أن أقلية لا تذكر من السود تمكنت من الصعود إلى صفوف الطبقة الوسطى. وهناك أربع عقبات رئيسية تعترض تقدم جنوب أفريقيا. أولاها انتشار الفساد على المستويين المحلي والوطني، بينما تسود الشائعات عن ضعف الحكومة وعدم قدرتها على التصدي لهذه الظاهرة المدمرة. ثانيتها انتشار الجريمة التي تهدد حياة المواطنين السود والبيض على حد سواء. ويزيد من معدلاتها ارتفاع مستوى البطالة في أوساط الشباب بالذات. وثالثتها انهيار النظام التعليمي. فقد وصف مسؤول من بنك التنمية الأفريقي بجنوب أفريقيا النظام التعليمي هناك بأنه "كارثة وطنية" إذ تأتي نتائج اختبارات الطلاب والدارسين في أدنى قائمة النتائج العالمية على الإطلاق. والمشكلة أن هذا التدني في مستوى التعليم العام ينسحب بدوره على أداء الكليات والمؤسسات الجامعية. والنتيجة هي تجفيف الاقتصاد الوطني من المهارات المهنية التي يحتاجها كي يحقق النمو المرجو له. أما العقبة الرابعة والأخيرة، فتتمثل في انتشار مرض الإيدز والفيروس المسبب له، فمن بين كل ثمانية مواطنين جنوب أفريقيين هناك واحد بينهم يحمل الفيروس، ويضاف ما يقدر بنحو 350 ألفاً سنوياً إلى الثلاثة ملايين الذين يعتقد أنهم لقوا حتفهم متأثرين بالمرض. وفي ما يبدو فإن الأمر يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة لترك كل هذه الهموم والآلام جانباً والتمتع بمباريات المونديال والتنافس الكروي العالمي هنا في جوهانسبرج. ويبدو أن واشنطن تحاول الآن فعل الشيء نفسه. ديفيد إس. برودر كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"