في مقال له تحت عنوان "لن تقود المرأة السيّارة في السعودية"، كتب الزميل "عبد الرحمن الراشد" أن سبب فشل الحملات المنادية بوجوب السماح للمرأة قيادة السيّارة داخل السعودية، يعود إلى الاعتماد كليّاً على تغيير موقف الحكومة. حيث يرى بأن أي حكومة مهما كان نفوذها قويّاً، لا يمكن أن تنجح في تمرير قرار ما لم يكن هناك قبول شعبي واسع للفكرة! هذا الرأي من وجهة نظري يُجانب الصواب، فلو كنّا سننتظر قراراً شعبيّاً لكل تغيير جديد في مجتمعاتنا لأصبحنا مكانك سر. وليرجع "الراشد" إلى التاريخ القريب حينما كان رجال الدين المتشددون من أوائل المعارضين لتعليم المرأة في السعودية، وأصبحوا حاليّاً من أوائل المهتمين بتعليم بناتهم حتّى يقطفوا ثمار دخولهم الماديّة مستقبلاً. كما كانوا هم أنفسهم أشرس المعارضين لدخول أطباق الاستقبال الفضائي بحجة أنها ستفتح أبواب الرذيلة على مصراعيها، ليحلّوا اليوم ضيوفاً على كافة القنوات العربية، ويغدوا نجوما يتقاضون ملايين الدولارات، مستغلين هرولة الناس لسماع فتاويهم في كل صغيرة وكبيرة تخصُّ حياتهم بعد أن تمَّ تغييب عقولهم. من المعروف أن النضال المستمر على مدار السنين هو الذي يقود إلى التغيير في كل مجتمعات العالم. وأي تغيير في بدايته يهابه الناس ويتوجسون من الاقتراب منه، لكن عندما تألفه عيونهم يذوب الخوف تدريجيّاً ويتقبلوه برحابة صدر. والمرأة السوداء التي يرى الراشد بأنها لم تُغيّر تاريخ السود داخل أميركا بعد رفضها التخلّي عن مقعدها لراكب أبيض، قول جائر مردود عليه، فقد قامت هذه المرأة الفقيرة بإطلاق الشرارة الأولى على الظلم والتمييز العنصري، ويعود لها الفضل بعد عقود في تولّي أوباما رئاسة أقوى دولة في العالم. مع كل هذا، لم تكن يوماً قضية قيادة المرأة للسيّارة من أولوياتي، جلَّ اهتمامي منصّب على المطالبة بوجوب رفع الوصاية عن المرأة السعودية، وأن تكون المتحكمة وحدها في مستقبلها الاجتماعي والمهني والتعليمي. فرفع الوصاية كاملة عنها سيعطيها الحق في المطالبة بكافة حقوقها، وسيتيح المجال أمامها لتصل إلى أعلى المناصب بيدها دون أن تنظر بامتنان إلى الرجل صانع مجدها الذي شرّع لها الأبواب كاملة كي تنهل من خيرات بلادها! منذ أيام لفتت نظري مواطنة لبنانيّة، رفضت المحكمة طلبها في حصول ولديها من أب مصري متوفي على جنسيتها اللبنانية.كانت المرأة تقف أمام التلفاز قائلة بنبرة قوية: لن أستسلم، وسأعاود الاستئناف، وسأطعن في حكم القضاء، فمن حقي كمواطنة أن يتمتّع أبنائي بجنسيتي. قضية التوعية بالحقوق مُغيّبة عند أغلبية النساء السعوديات، وقلة منهن من تملك القدرة على الصراخ العقلاني وتلمس في روحها الجسارة والتحدّي، وهو ما يستوجب الحرص على زرع أسلوب تربوي مُغاير في نسيجنا الاجتماعي، تتعرّف من خلاله المرأة السعودية منذ صغرها على كافة حقوقها حتّى تُصبح مسؤولة عن قراراتها الحياتيّة عند بلوغها سن الرشد، وكي تقف في مواجهة كل من يُصرُ على إبقائها في كهوف الظلام! أصبحتُ أشعر بالملل من كثرة المقالات التي تتحدّث عن قيادة المرأة للسيّارة، وغدت نفسي تعاف قراءتها لأن محتواها مُكرر لا يُسمن ولا يُغني من جوع. بلا شك التغيير لن يحدث بين ليلة وضحاها، وإنما بعد تراكمات في مسيرة التاريخ، ويكفي أن جيلنا من النساء المثقفات السعوديات كنَّ السّباقات لإطلاق الشرارة الأولى، التي من خلالها ستحصد الأجيال الأجيال القادمة ثمرة ما نقوم به اليوم من محاولات لدحر الواقع المستحيل!