ثمة حقيقة مدهشة في لحظتنا الراهنة تشير إلى أن التنوع الإسلامي الطائفي والإثني والفكري والسياسي يزدهر ويتصالح مع نفسه (وربما رغماً عنه) في الأنظمة السياسية العلمانية، بدرجات مختلفة. النظام العلماني من ناحية نظرية لا يقدم تفسيراً معيناً للدين على تفسير آخر، ويترك للجميع حرية الممارسة وفق ما يقتنعون به طالما يتم ذلك وفق القانون ومن دون الاعتداء على حرية الآخرين. والترجمة التطبيقية لهذه القناعة تأخذ أشكالاً متعددة. وفي الشكل الغربي لها، واستناداً إلى الإطار الحرياتي للعقائد، وعلى رغم كل النقد المتوتر والمضخم تجاه وضع الجاليات الإسلامية في الغرب، فإن الغرب العلماني يتيح أفضل مكان في العالم يكفل تعايش الصيغ المختلفة للإسلام، ويحمي التنوع الإسلامي. ففي المجتمعات الغربية هناك مساجد للسنة بمذاهبهم والشيعة بمذاهبهم، هناك المسلمون المتدينون والمسلمون العلمانيون. هناك الحركات الصوفية وهناك الحركات السلفية، وهناك تيارات إسلام "السنة والجماعة"، وهناك الإسماعيلية، وهناك المسلمات المحجبات والمسلمات غير المحجبات. وهؤلاء جميعاً يتساوون أمام القانون، ولا يستطيع أي منهم التحكم في رقبة الآخر كما يحدث في بلدانهم الأصلية. وهكذا تتبدى المفارقة المحزنة حقاً في غياب "أرض إسلام" تتيح لهؤلاء جميعاً أن يتعايشوا مع بعضهم بعضاً متساوي الحقوق والواجبات، ومن دون أن تحتل فئة منهم موقع السيطرة والصدارة على حساب الفئات الأخرى. وهذا التنوع والتعايش يحدث في "أرض الحرب" وفي "بلاد الكفار"، وليس في بلاد المسلمين. مناسبة هذا الكلام تفاقم العنف الإسلامي- الإسلامي في بلاد مسلمة كثيرة، ينطلق من قاعدة رفض الآخر وعدم الاعتراف بوجوده أصلا. فقبل أيام هاجم مسلحون في مدينة لاهور الباكستانية مسجدين تابعين للطائفة الأحمدية وفتحوا النار على المصلين فيهما وقتلوا أكثر من 80 شخصاً وجرحوا العشرات، والفاعلون كما ورد ينتمون إلى فئات سُنية متطرفة. وفي العراق، وكما نشاهد بحزن و"انتظام"، يتوالى انفجار القنابل المفخخة بحسب البوصلة الطائفية. وفي بلدان إسلامية وعربية أخرى نشهد تنويعات من العنف الطائفي بين الفئات الإسلامية من اليمن، إلى الخليج، إلى نيجيريا، إلى إندونيسيا وماليزيا. أما في نطاق العلاقات اللاعنفية، لكن الإقصائية، فحدِّث ولا حرج في طول وعرض العالم الإسلامي. ففي الدول ذات الأغلبية السنية قد تعاني بقية الطوائف من الظلم والحرمان ويشعر أفرادها بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وأحد مكامن الخطر يأتي من القوانين والتشريعات والدساتير التي تتبنى مذهباً محدداً وتشير بوضوح إلى انحياز الدولة إلى تفسيرات هذا المذهب، ثم تذهب خطوات أبعد في عدم اعترافها ببعض المذاهب الأخرى، أو على الأقل التشكيك فيها (مثلاً، لا تعترف غالبية دساتير البلدان الإسلامية ببعض المذاهب المعينة وتعتبرها خارجة عن الإسلام، ودساتير أخرى تحدد مذهباً معيناً بكونه مذهب الدولة). ويُضاف إلى التمييز الطائفي تمييز إثني وعشائري. بحيث تختلط أحجام الأكثرية والأقلية بالانتماءات الدينية، ويتقدم أو يتأخر موقع الفرد تبعاً للتعريف والانتماء الإثني المشرعن بالصيغة المذهبية. وفي الحالات القصوى يتفاقم هذا التمييز الإثني سواء كانت له علاقة بخلفية دينية أم لا إلى حدود حرمان الفرد من الجنسية وحمل جواز السفر، أو التمتع بحقوق مدنية معينة أسوة ببقية المواطنين. ومعنى ذلك أن الأفراد، المواطنين في هذه الدول، لا يتساوون أمام القانون، إما بشكل معلن أو خفي. يحدث هذا ويترسخ في ظل سياقات وصياغات قانونية تزعم أنها تنبثق من إعلانات المواد الأولى للدساتير التي تتباهى بأن الإسلام والشريعة الإسلامية هما مصدر التشريع. والشيء المقلق والمحزن في آن معاً هو أن التشريعات القانونية التمييزية لا تثير انتباه أو انتقاد الغالبية. وإذا تأملنا في طروحات القوى والتيارات الرئيسة في الشارع في العالم العربي والإسلامي، فإننا لا نعثر إلا على ما يؤكد على التمييز القانوني ضد "الآخر المختلف" حتى داخل سياق التنوع الإسلامي. وكل تيار من التيارات الإسلامية مثلاً (الإخوانية، السلفية، التحريرية، القاعدية، الشيعية، الصوفية، الجهادية...) يعتبر نفسه الممثل الشرعي الحقيقي والنقي للإسلام فيما بقية التيارات والأحزاب "منحرفة" عن الفهم الحقيقي للدين بهذه الدرجة أو تلك. ومعنى ذلك أن التمييز القائم حاليّاً في التشريعات، الذي يميز مثلا بين السنة والشيعة أو يعلي رتبة مذهب سني على بقية المذاهب، ستُضاف إليه مستويات أسوأ وأكثر خطراً. فحتى داخل مذهب سني واحد سننتهي إلى خلافات حادة وربما دموية بين حركات وتفسيرات حركية للإسلام. ويكفي التأمل في حدة العنف اللفظي التي تتضمنها بعض الفتاوى هذه الأيام، صادرة عن مفتين لا يتبنون العنف. فعلى سبيل المثال وصف أحد كبار المفتين علماء آخرين يخالفونه الرأي ولا يحرمون الاختلاط بأنهم "خونة لله ورسوله". وإذا كان هؤلاء العلماء، على مكانتهم الدينية والافتراضية المتقدمة في تراتبية النظرة الدينية للمجتمع، "خونة" لأنهم اختلفوا مع صاحبنا في قضية مدنية لا تتعلق بالكفر والإيمان، فكيف وأين سيكون موقع من هم أقل منهم ديناً، أو أكثر اختلافاً من ناحية مذهبية أو طائفية؟ وما هو "الحكم الشرعي" الذي يراه هذا "العالم الجليل" بشأن "خونة الله ورسوله"؟ لذلك كله يبدو من المشروع أن يتوقع كثيرون حروباً دينية وطائفية بشعة في حال تمكنت معظم التيارات الإسلاموية من السيطرة على السياسة والحكم في بلدانها. ولئن كانت في هذا مبالغة وتخوفاً غير مبرر، فإن الأدبيات والممارسات التي بين أيدينا غير مطمْئِنة. صحيح أن هناك عدداً، قليلاً مع الأسف، من المفكرين والمثقفين الإسلاميين الذين يحاولون تقديم صيغ تصالحية ومستنيرة. بيد أن تأثير هؤلاء في التيارات العريضة محدود جداً، وأصواتهم تضيع وسط جعجعة المتطرفين. والفكرة الأساسية التي تسيطر على تفكير وتنظير المتطرفين، كما الغالبيات الإسلاموية وتنتقل أيضاً إلى عموم الناس العاديين، هي أن هناك شيئاً ما اسمه "الإسلام الحقيقي النقي" الذي هو الحل والذي ما أن يُطبق حتى تنتهي كل المعضلات. وكل جماعة صغيرة أو كبيرة، وكل مفت عميق أو ضحل في علمه يزعم أن ما ينطق به هو ذلك "الإسلام الحقيقي النقي". ومن زاوية تعددية وتنوعية ليست ثمة مشكلة في أن يدعي أطراف مختلفون تعبيرهم عن فكرة واحدة والتنافس على شرعية تمثيلها. ولكن المشكلة تكمن في الرغبة في إقصاء كل المتنافسين الآخرين ونزع كل الصفات عنهم، وكل الحقوق القانونية، والوصول في الحالات القصوى إلى شرعنة التخلص منهم جسديّاً فيما لو تمكن الطرف الذي يعاديهم من الوصول إلى السلطة.