أظهرت نتائج دراسة صدرت الأسبوع الماضي عن مستشفى "مايو كلينيك" الشهير بولاية مينوسوتا الأميركية، ونشرت في إحدى الدوريات الطبية المتخصصة في التهابات المفاصل والروماتيزم (Arthritis and Rheumatism)، حدوث زيادة في معدلات الإصابة بمرض الروماتويد بين النساء، خلال الاثني عشر عاماً الماضية، مع تراجع معدلات الإصابة بنسبة طفيفة بين الرجال خلال الفترة نفسها. وتأتي هذه الزيادة، لتعكس الاتجاه السائد خلال الأربعين عاماً الماضية، والمتمثل في تراجع معدلات الإصابة بين النساء بشكل تدريجي. ويكتسي الروماتويد بين النساء خطورة خاصة، بسبب ما أظهرته الدراسات المتتابعة من تسببه في وفيات مبكرة بينهن، بالإضافة طبعاً إلى تسببه في الآلام المزمنة والإعاقة المستديمة أثناء حياتهن. فقبل بضعة أعوام أظهرت دراسة أجريت في جامعة آلاباما في الولايات المتحدة، أن احتمالات وفاة النساء المصابات بالروماتويد، مساوية لاحتمالات الأشخاص المصابين بالسرطان أو أمراض القلب. وأظهرت الدراسة أيضاً أن 60 في المئة من هؤلاء النساء يتوفين في سن مبكرة مقارنة بمتوسط عمر النساء من الأصحاء. وهذه النتائج المفزعة تظهر حقيقة كون الروماتويد مشكلة صحية خطيرة الأبعاد، تساوي وربما تزيد في مضاعفاتها ونتائجها على أمراض أخرى سيئة السمعة مثل السرطان وأمراض القلب. وعلى رغم أن الروماتويد الذي يصيب شخصاً واحداً من بين كل مئة، معروف عنه تسببه في الإصابة بالعجز والإعاقة مع ارتفاع نسبة الوفيات المبكرة بين مرضاه، إلا أن تلك الدراسة اكتست أهمية خاصة، بسبب عدد الأشخاص الذين خضعوا لها وطول الفترة الزمنية التي استغرقتها، وبلغت أكثر من خمسة عشر عاماً. والروماتويد مرض مجهول الهوية أو السبب، وإن كان يعتقد أن المناعة الذاتية تلعب دوراً مهمّاً في تطور المرض وظهور مضاعفاته. ويتميز الروماتويد بكونه مرضاً التهابيّاً مزمناً، يصيب بعض الأغشية المغلفة للأعضاء الداخلية، مثل الغشاء البلوري المغلف للرئتين، والغشاء المغلف للقلب أيضاً، والغلاف الخارجي للعينين. وإن كانت الأغشية المغلفة للمفاصل غالباً ما تشكل الهدف الأساسي للروماتويد في شكل التهاب مزمن لأجزاء وأغشية المفصل المختلفة، ينتج عنه تصلب المفصل بشكل دائم، وتدميره لاحقاً بشكل يعيق مرونته وحركته. وينتمي الروماتويد إلى مجموعة من أمراض التهابات المفاصل تضم عدداً كبيراً ومتنوعاً من الأمراض المختلفة. كما يختلف الروماتويد عن الروماتيزم المشهور، الذي لا يعتبر في الحقيقة مرضاً محدداً، وإنما هو مصطلح عام، يستخدم للتعبير عن الآلام والأوجاع التي تصيب المفاصل والأنسجة والعضلات المحيطة بها، وبغض النظر عن السبب. ويعتقد الأطباء بوجود علاقة بين هذا المرض المزمن، المميت أحياناً، وبين حزمة أسباب وعوامل. وكما ذكرنا، تلعب المناعة الذاتية دوراً غير واضح في مسيرة المرض. والمعروف أن مجموعة أمراض المناعة الذاتية، هي مجموعة من الأمراض تقوم فيها دفاعات الجسم الطبيعية بمهاجمة أنسجته وخلاياه، معتقدة خطأ أنها أجسام غريبة أو ميكروبات. ومن غير المعروف حتى الآن السبب الذي يدفع الجسم إلى مهاجمة نفسه من الداخل، ولكن المعروف أن حدوث مثل هذا السيناريو يتسبب في تلف بالغ للأعضاء والأنسجة محل الهجوم المناعي، وهو ربما السيناريو الذي يحدث في مرض الروماتويد، ويؤدي إلى تلف أجزاء المفصل والأغشية المحيطة به. ومؤخراً، أصبحت أصابع الاتهام تشير لنقص فيتامين (D) كأحد الأسباب خلف الإصابة بالروماتويد. فمن المعروف والثابت علاقة هذا الفيتامين بصحة العظام والمفاصل، حيث إن وجود كميات كافية منه ضروري لعملية امتصاص الكالسيوم والفسفور من الأمعاء، وإعادة امتصاص الكالسيوم من الكليتين، وهي الوظائف الأساسية لنمو العظام، والحفاظ على قوتها وصلابتها، ووقايتها من الإصابة باللين والهشاشة. ويمتد هذا المفعول إلى العضلات، حيث يساعد فيتامين (D) على توفير كميات كافية من الكالسيوم في مجرى الدم، الضروري لقيام العضلات بوظائفها الطبيعية. ومن قائمة الوظائف تلك يمكننا استنتاج الأمراض التي تنتج عن نقص فيتامين (D). فبالنسبة للعضلات، يؤدي هذا النقص إلى خفض مستوى الكالسيوم في مجرى الدم، وبالتالي تعرض العضلات للوهن وسرعة التعب، وفي الحالات المتقدمة الإصابة بالانقباضات اللاإرادية أو الاختلاجات المتكررة. أما بالنسبة للعظام، فنقص الفيتامين يتسبب في حزمة من الأمراض تختلف باختلاف العمر، وبدرجة النقص. فلدى الكبار يؤدي نقص الفيتامين إلى ضعف العضلات، وليونة العظام، أو هشاشتها وقابليتها للكسر في الحالات الشديدة والمزمنة من نقص فيتامين (D)، وربما حتى إصابة المفاصل بالروماتويد. ويلاحظ العلماء أيضاً وجود علاقة بين الروماتويد وبين التدخين، فكلما كان الشخص مدخناً، كلما زادت احتمالات إصابته بالمرض. والغريب أن سبب الوفيات المرتفعة نسبيّاً بين المصابين بالروماتويد غير معروف بدقة، والأغرب أن البعض يعتقد أن السبب خلف تلك الوفيات هو العقاقير الكيمياوية والأدوية الطبية التي تستخدم للسيطرة على أعراض وعلامات وآلام المرض، والتي غالباً ما تسبب العديد من الآثار الجانبية السيئة. ولذا يؤمل أن تنجح العقاقير البيولوجية أو الحيوية (biological therapies) في تخفيف الأعراض الجانبية الناتجة عن العقاقير الكيمياوية، وبالتالي خفض الوفيات الناتجة عن المرض أساساً، وعن المضاعفات الخطيرة المرتبطة بطرق العلاج المستخدمة حاليّاً.